النبأ: في أحدث التطورات، تصاعدت الاشتباكات بين الجيش السوري وقسد في محيط سجون حساسة في شمال وشرق سوريا، في خرق واضح لوقف إطلاق النار الذي أعلن قبل ثلاثة أيام بين الطرفين، والذي نص على دمج قوات قسد في مؤسسات الدولة السورية ونقل مسؤولية السجون التي تحتجز آلافاً من عناصر داعش إلى الحكومة المركزية.
قسد أكدت أنها صدت هجمات على سجن الأقطان في محافظة الرقة الذي يحتجز عناصر خطيرة من داعش، بينما ردّت دمشق بأنها لا تستهدف السجون نفسها بل تعمل على تأمين هذه المواقع ضمن السيطرة الحكومية، في ظل تبادل اتهامات عن إطلاق عناصر داعش من بعض مرافق الاحتجاز.
هذا التصعيد يأتي في وقت تضمن فيه الاتفاق السابق وقفاً لإطلاق النار، لكن القوات الحكومية شرعت في نشر وحدات في أراضٍ كانت تحت سيطرة قسد، بما في ذلك دير الزور والرقة، ما أثار استياء الطرف الكردي وخلق مناخاً من عدم الثقة.
هروب سجناء
تقرير وكالة الأنباء التركية عن اعتقال 81 عنصراً من داعش بعد فرارهم من سجن الشدادي في الحسكة، جاء بعد أن أفاد الجيش السوري بأن عناصر التنظيم تمكنوا من الفرار إثر انهيار السيطرة الأمنية لقسد على السجن، وهو ما أثار موجة من الاتهامات المتبادلة بين دمشق وقسد حول المسؤولية عن الهروب والظروف التي أحاطت به.
قسد بدورها قالت إن سجن الشدادي الذي يضم آلافاً من سجناء داعش تعرض لهجمات متكررة نفذتها فصائل مرتبطة بدمشق، ما اضطرها إلى الاستعانة بإمكانيات محدودة للدفاع، رغم قرب موقع السجن من قاعدة التحالف الدولي.
الجيش السوري أكد أنه يحاول تأمين السجن وتمشيط محيط مدينة الشدادي لاعتقال الفارين، لكنه وجه أيضاً اتهامات لقوات قسد بشأن عدم قدرتها على السيطرة على الوضع الأمني، في حين رفضت قسد تسليم السجن للأمن الداخلي السوري.
في بغداد، أثارت هذه التطورات قلقاً رسمياً كبيراً. مصادر حكومية عراقية أكدت اتخاذ تدابير أمنية مشددة على الحدود مع سوريا، مع إصدار أوامر بفتح النار على أي محاولة تسلل مسلح عبر الحدود، في ظل مخاوف من استغلال خلايا تنظيم الدولة الإسلامية للفراغ الأمني الجديد للتسلل إلى الأراضي العراقية أو تنفيذ هجمات عبر الحدود.
القلق في العراق يأتي في وقت تعيش فيه البلاد تفكيكاً نهائياً لوجود قوات التحالف الدولي (الذي انسحب من العديد من القواعد)، مع تبني بغداد استراتيجية جديدة تقوم على الاعتماد على قدرات المؤسسة الأمنية العراقية وتنسيق ثنائي مع الأطراف الإقليمية لحماية الحدود.
انهيار هش لوقف
على الرغم من الإعلان قبل أيام عن وقف إطلاق نار شامل واتفاق بين دمشق وقسد، فإن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن الهدنة وصلت إلى نقطة انهيار مبكر. فقد شهدت مناطق مثل الرقة والشدادي وأطراف الحسكة معارك وتصعيدات متواترة، في انتهاك صريح لمادة وقف إطلاق النار المتفق عليها، وهو ما يلقي بظلاله على جهود دمج قوات قسد في المؤسسات السورية، ويدفع نحو عودة احتمالات عمليات عسكرية واسعة أكثر.
تحليليون سياسيون يرون أن عدم الثقة بين الطرفين واتهامات إطلاق السراح أو التواطؤ مع المتطرفين قد يدفعان إلى عودة النزاع بأشكال متعددة، تشمل عمليات محلية وانتشار السلاح الثقيل في مناطق حساسة، ما يهدد استقرار الشريط الحدودي الذي يؤثر أيضاً على العراق وتركيا.
حالة حقوقية وإنسانية متردية
بعيداً عن البعد العسكري والسياسي، أثار هروب بعض عناصر داعش من السجون المخاوف الإنسانية والحقوقية حول أوضاع المحتجزين داخل هذه المنشآت، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة، ما يضع منظمة الأمم المتحدة والجهات الحقوقية تحت ضغط لتقديم مراقبة مستقلة أو دعم إنساني للمدنيين المحتجزين في معسكرات مثل “الهول” والمخاطر التي قد تنتج من فرار أسر الإرهابيين.
الأحداث المتسارعة في يوم واحد تؤشر إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدا واعداً قبل أيام قليلة أصبح مهدداً بالفشل، مع تصاعد العنف في مواقع حساسة وانتشار اتهامات من الطرفين.
هذا التسلسل يعكس غياب آليات رقابة فعّالة وتنفيذية، ما قد يدفع إلى تصعيدات عسكرية أكبر في الأيام المقبلة إذا لم يتم التوصل إلى ضمانات واضحة لحماية السجون والحدود والمناطق السكنية.
أما على الصعيد العراقي، فإن ما يحدث في الشمال الشرقي السوري لن يظل بعيداً عن تأثيراته: تعزيزات الحدود تواكب مخاوف من عمليات تسلل، بينما التوتر الأمني يتغذى من المعلومات الاستخباراتية حول تحركات خلايا داعش، مما يستدعي تنسيقاً أمنياً وسياسياً مع دمشق وواشنطن وأنقرة لتجنب انفلات الوضع.
إلى أين تتجه الأحداث؟
في ظرف 24 ساعة، تصاعد النزاع في سوريا من اتفاق إلى اشتباكات متجددة وهروب سجناء داعش، مما أعاد ملف التنظيم المتطرف إلى واجهة المخاطر الأمنية. العراق، من جهته، يتعامل بحذر شديد، مع تشديدات أمنية وتنسيق استخباراتي لإحباط محاولات العبور أو الاستفادة من الفوضى. إذا لم تتجه الأطراف المعنية نحو آليات رقابة دولية محايدة وضمانات صلبة لتنفيذ الاتفاقات، فإن المنطقة عموماً قد تشهد موجة تصعيد واسعة ومتداخلة على كل المستويات خلال الأيام المقبلة.
ع ع



اضف تعليق