النبأ: في تجربة ميدانية لاختبار مدى تأثير التكنولوجيا على إدراكنا للواقع، خضتُ تحدي الانقطاع التام عن شبكة الإنترنت لمدة 24 ساعة متواصلة. التحدي الذي بدأ في تمام الساعة الثامنة صباحاً، لم يكن يهدف فقط لمراقبة أعراض "الانسحاب الرقمي"، بل لرصد التحولات الفيزيولوجية والنفسية التي تطرأ على الإنسان عند استعادة وقته من الخوارزميات.

متلازمة الهاتف المفقود

مع حلول الساعة العاشرة صباحاً، سجلتُ أولى الملاحظات الواقعية؛ وهي تكرار حركة اليد نحو الجيب أو الطاولة للبحث عن الهاتف بمعدل مرة كل 10 دقائق. تشير الدراسات الأكاديمية إلى أن هذا السلوك ناتج عن اعتياد الدماغ على تدفق "الدوبامين" المرتبط بالإشعارات. في هذه المرحلة، يظهر نوع من التوتر الطفيف والشعور بـ "العزلة" عن الأحداث الجارية، وهو ما يعرف تقنياً بـ (FOMO) 

عندما يتمدد الوقت

بحلول الظهيرة، بدأت الملاحظة الأكثر إثارة للاهتمام: تغير الوعي بالزمن. في الحالة الطبيعية، يستهلك تصفح المنصات الاجتماعية ساعات دون وعي، لكن في غيابها، بدا الوقت وكأنه يتباطأ.


خلال ساعات النهار، رصدتُ زيادة ملحوظة في حدة الحواس؛ فالقدرة على التركيز في قراءة نص مطول أو إجراء محادثة مباشرة دون مقاطعة رقمية تحسنت بشكل كبير. الواقع الملموس - كأصوات الشارع، تفاصيل الوجوه، وهدوء المنزل -أصبح هو المصدر الوحيد للمعلومات، مما أدى إلى انخفاض تدريجي في مستويات القلق الناتجة عن تدفق الأخبار المتلاحقة.


استعادة "الهدوء الذهني"

في الفترة المسائية، وهي الذروة المعتادة لاستخدام الإنترنت، واجهتُ حالة من "الملل الإيجابي". بدلاً من الهروب من الأفكار عبر الفيديوهات اللانهائية، اضطر العقل لمعالجة الأفكار المؤجلة. هذه الحالة، وفقاً لخبراء علم النفس السلوكي، هي البيئة الخصبة لترتيب الأولويات الذهنية. كما سُجل ملحظ هام يتعلق بجودة النوم، حيث أدى غياب "الضوء الأزرق" قبل النوم إلى الدخول في دورة نوم عميقة وسريعة، بعيداً عن الأرق المعتاد.


النتائج والاستنتاجات

بعد انتهاء الـ 24 ساعة، كشفت التجربة عن الحقائق التالية:

- التركيز: استعاد العقل قدرته على العمل المتواصل لمدة تزيد عن 40 دقيقة دون تشتت.

- التواصل الاجتماعي: تبين أن معظم الإشعارات الرقمية ليست "عاجلة" كما نتصور، وأن الحياة تسير بشكل طبيعي دون متابعة لحظية.

- الصحة النفسية: لوحظ انخفاض في التوتر العصبي الناتج عن المقارنات الاجتماعية التي تفرضها المنصات.


الخلاصة:

التحدي كان كشفاً واقعياً لمدى هيمنتها على حواسنا. أثبتت التجربة أن الانقطاع المبرمج عن الإنترنت ليس مجرد "راحة"، بل هو عملية إعادة ضبط ضرورية للدماغ لاستعادة التوازن بين العالم الافتراضي والواقع الحقيقي.


نصائح عملية لخوض التجربة

بناءً على التجربة الواقعية وما ينصح به خبراء علم النفس السلوكي، إليك هذه الخطوات لضمان استمرارك في التحدي دون استسلام:

- أبلغ "الدائرة القريبة": لتجنب القلق أو الاتصالات الطارئة، أرسل رسالة قصيرة لعائلتك أو زملائك المقربين تخبرهم فيها أنك ستكون "خارج التغطية" لمدة 24 ساعة. هذا يمنحك راحة بال ويمنع المقاطعات الضرورية.

- استعد بـ "البدائل الورقية": العقل يكره الفراغ المفاجئ. قبل بدء التحدي، جهّز كتاباً كنت تود قراءته، أو دفتر ملاحظات للتدوين، أو حتى لغزاً ورقياً (Sudoku). وجود بديل ملموس يقلل من حدة الرغبة في العودة للهاتف.

- غيّر مكان الهاتف تماماً: القاعدة الذهبية هي "بعيد عن العين، بعيد عن الذهن". لا تكتفِ بإغلاق الهاتف وضعه بجانبك؛ بل وضعه في درج مغلق أو في غرفة أخرى. تقليل سهولة الوصول للجهاز يكسر العادة التلقائية ليدك.

- خطط لنشاط حركي: الخروج للمشي، ممارسة الرياضة، أو حتى القيام بأعمال منزلية يدوية يساعد الجسم على التخلص من الطاقة المكبوتة ويحفز إفراز "الإندورفين" طبيعياً، مما يعوض نقص الدوبامين الرقمي.

- راقب مشاعرك ولا تقاومها: إذا شعرت بالملل أو القلق في الساعات الأولى، لا تحاول الهرب. اعترف بهذا الشعور واكتبه في ورقة. مراقبة "أعراض الانسحاب" هي جزء أساسي من التجربة لفهم مدى سيطرة التكنولوجيا على حياتك.

ع ع

اضف تعليق