تمرّ العملية السياسية في العراق بمرحلة شديدة التعقيد عقب الانتخابات الأخيرة، في ظل استمرار الخلافات بشأن حسم الرئاسات الثلاث، ولا سيما رئاسة مجلس الوزراء التي باتت تمثل بؤرة التجاذب الرئيس بين القوى السياسية. وتتشابك في هذا الملف حسابات الكتل الكبرى مع اعتبارات إقليمية ودولية، ما جعل مسار تشكيل الحكومة محفوفاً بالمخاطر السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومنذ إعلان النتائج، دخلت القوى الأساسية، وفي مقدمتها قوى الإطار التنسيقي والمكوّن السني والمكوّن الكردي، في مفاوضات مكثفة لتقاسم المناصب السيادية، غير أن التفاهمات بقيت غير مستقرة، وسط استمرار الخلاف حول هوية رئيس الوزراء المقبل. ويكتسب هذا المنصب حساسية مضاعفة لارتباطه بإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، وملف العقوبات، والسياسات المالية، إضافة إلى قضايا السلاح والفصائل والتوازنات الإقليمية.
وفي خلفية المشهد، تصاعدت أحاديث سياسية عن وجود تحفظات أمريكية على بعض الأسماء المطروحة، من بينها نوري المالكي، بالتزامن مع تسريبات بشأن احتمالات ممارسة ضغوط اقتصادية ومالية إذا ما اتجهت التفاهمات نحو خيارات لا تحظى بقبول واشنطن. وبذلك تحوّل استحقاق رئاسة الوزراء من مسألة دستورية داخلية إلى عقدة سياسية تتداخل فيها اعتبارات السيادة مع حسابات الخارج.
الباحث في الشأن السياسي محمد حسن الساعدي أوضح أن" العملية السياسية بعد الانتخابات شهدت محطات متعددة، بعضها اتسم بالحساسية وبعضها بالتعقيد، مشيراً إلى أن المكونات الرئيسية واجهت صعوبات واضحة في الاتفاق على مرشحيها للرئاسات الثلاث. ولفت إلى أن المكوّن السني تمكن من تجاوز أزمة رئاسة البرلمان، فيما لا تزال عقدة اختيار رئيس الوزراء تؤثر في مسار التفاهمات، خاصة مع وجود تحفظات داخل الإطار التنسيقي على إعادة طرح المالكي، إلى جانب ما يوصف بـ"الفيتو الأمريكي".
وبيّن الساعدي أن" قوى الإطار التنسيقي تمرّ بمرحلة دقيقة نتيجة ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، مؤكداً أن تجاوز الأزمة يتطلب اختيار شخصية تحظى بقبول وطني واسع، وتحظى كذلك بدعم المكوّنات السياسية المختلفة، وتحظى بمباركة المرجعية الدينية، فضلاً عن عدم إثارة اعتراضات إقليمية أو دولية. واعتبر أن تحقيق هذا التوازن يمثل المدخل الأساس لكسر حالة الانسداد الراهنة".
كما انتقد الساعدي الأداء السياسي العام، بما في ذلك دور مجلس النواب، معتبراً أن مستوى التعاطي مع الاستحقاقات الدستورية لم يكن بمستوى التحديات. وحذر من أن الإصرار على دعم ترشيح المالكي قد يفضي إلى تداعيات اقتصادية وأمنية، في ظل رسائل وتحذيرات أمريكية تحدثت عن عقوبات محتملة قد تطال البنك المركزي العراقي وشركة “سومو” وأطرافاً سياسية داعمة.
وأشار إلى أن" الإطار التنسيقي يواجه خيارين واضحين: المضي في دعم المالكي وتحمل ما قد يترتب على ذلك من تبعات، أو الاتجاه نحو مرشح بديل يتمتع بقبول أوسع داخلياً وخارجياً. واعتبر أن القرار المرتقب يشكل مسؤولية تاريخية بالنظر إلى حساسية المرحلة وتداعياتها على مستقبل البلاد".
من جانبه، حذر المحلل السياسي حسين الإبراهيمي من انعكاسات استمرار الأزمة السياسية على الأوضاع الأمنية والاقتصادية، مؤكداً أن هذه الملفات مترابطة بصورة وثيقة، وأن أي خلل في أحدها ينعكس مباشرة على الآخر. وأوضح أن تعثر تشكيل الحكومة وأزمة الرئاسات يفاقمان الضغوط على المواطن العراقي الذي يمر بظروف اقتصادية صعبة، في ظل توترات إقليمية متصاعدة، خصوصاً بين الولايات المتحدة وإيران.
وأضاف أن تصاعد التجاذبات السياسية الداخلية، بالتزامن مع الاستقطاب الإقليمي، قد يجعل العراق ساحة محتملة لتصفية الحسابات، بما يرفع مستوى المخاطر الأمنية، ويعيد تنشيط تهديدات الجماعات المتطرفة والخلايا النائمة. وشدد على أن استمرار الاضطراب السياسي يترك آثاراً مباشرة على الاستقرار العام، ويزيد من هشاشة الوضعين الاقتصادي والأمني.
وفي ظل هذه المعطيات، يجد الإطار التنسيقي نفسه أمام اختبار حاسم لاختيار مرشح قادر على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج. ومع تصاعد التحذيرات من تداعيات أي قرار غير مدروس، تبدو الأيام المقبلة مفصلية في تحديد مسار الأزمة، وسط مخاوف من أن تمتد آثار الخلاف السياسي إلى معيشة المواطنين واستقرار البلاد في ظرف إقليمي بالغ الحساسية.
وكالات
س ع



اضف تعليق