علي الطالقاني
في 27 كانون الثاني/يناير نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته (Truth Social) تحذيراً مباشراً إلى بغداد مفاده أن الولايات المتحدة "لن تساعد" العراق إذا أعيد تعيين نوري المالكي رئيساً للوزراء، واصفاً ولاياته السابقة بأنها "أدت إلى الفقر والفوضى التامة".
وحذّر ترامب أن العراق "لن يملك أي فرصة للنجاح" من دون دعم واشنطن وهو التصريح الذي أثار ردود فعل عراقية ودولية فورية، وافتتح نقاشاً حول دوافع ترامب السياسية ونتائج تدخل الولايات المتحدة العلني في عملية تشكيل الحكومة العراقية.
لماذا عاد أسم المالكي؟
بعد انتخابات نوفمبر 2025 شهدت الساحة العراقية استمرار منطق المحاصصة والتحالفات المبنية على الكتل المذهبية، وقد أعلن "الإطار التنسيقي" ترشيحه للمالكي كمرشح لرئاسة الحكومة بناءً على حسابات برلمانية وسياسية داخلية تسعى لتجميع البيت الشيعي حول قائد ذو خبرة في إدارة الدولة، ولكن هذه الخطوة تعكس استمرار منطق السياسة العراقية المبني على الزعامات والصفقات أكثر من تحول نوعي في النظام السياسي.
لماذا تدخل ترامب
تدخل ترامب ينسجم مع نبرة حملته الانتخابية التي تبرز القوة الخارجية والصلابة تجاه التمدد الإيراني وحلفائه، وان التحذير من المالكي يسمح له بإظهار موقف "قومي" حازم تجاه ايران ويخاطب قواعد ناخبيه التي تولي أهمية للأمن القومي والرفض لأي خيارات قد تفسر ـ في خطاب المحافظين ـ كتقارب مع طهران.
هذا التفسير مدعوم بأن الأدبيات الإعلامية والسياسية الأمريكية المرتبطة بحملة ترامب تستخدم مثل هذه التحذيرات كبراهين على "حماية المصالح الأمريكية".
نظام التأثير الإيراني
المالكي تاريخياً ارتبط اسمه بأنه يميل إلى سياسات تقارب جهات مرتبطة بالمحور الإيراني أو أنه على الأقل لم يكن فعالاً في الحد من نفوذ الفصائل المدعومة من إيران داخل مؤسسات الدولة.
ويمكن القول أيضا ان موقف ترامب جاء بتوافق مع سياسة إدارة تسعى للضغط على النخبة العراقية لمنع تعزيز مسببات نفوذ طهران، ويُستخدم تهديد خفض المساعدات كأداة ضغط لثني القوى عن تبني مرشح يُنظر إليه على أنه قريب من إيران.
واشنطن من جهتها ترى في الهيمنة المُجددة لمرشح معين خطراً على مصالحها في المنطقة، وفي تصريحات مماثلة من قبل إدارات سابقة استخدمت أدوات اقتصادية ودبلوماسية لفرض شروط على حكومات أو زعماء، وتهديد ترامب يندرج ضمن هذه المنهجية السياسية كوسيلة للضغط خارج القنوات الرسمية التقليدية (أي عبر منشور على منصة التواصل).
في أعوام سابقة (خلال ولايته بين 2006 و2014) كانت هناك سابقة لانتقادات أمريكية لسياسات المالكي وهو الأمر الذي يجعل موقف ترامب مفهوماً لدى متابعي السياسات العراقية ـ الأمريكية.
الآثار على السياسة الأمريكية
الإعلان على منصة اجتماعية يضع ثقلا دبلوماسيا على السفارة والموفدين الأمريكيين في بغداد، ويُصعب إمكانية التفاوض الهادئ مع أطراف عراقية ترى في مثل هذه التصريحات تدخلًا سافراً في الشؤون الداخلية.
صحف عالمية لاحظت أن التصريح خلق حالة من التوتر التي قد تُعيق التعاون الأمني أو مسارات الترتيبات مع بغداد.
خطر عزلة استراتيجية
تهديد سحب الدعم يمكن أن يدفع بعض الفاعلين العراقيين إلى التمركز أكثر نحو إيران أو إلى السعي لمرشح وسط، بحسب المصالح المحلية، لكن في الوقت نفسه يفتح نافذة أمام واشنطن لفرض شروط على أي حكومة قادمة (كقضايا محاربة الفساد، وتقييد فصائل، أو اتفاقات أمنية محددة). بمعنى أن سياسة الشد والضغط قد تُعطي نتائج مختلطة على المدى المتوسط.
الآثار على السياسة العراقية
المالكي وحلفاؤه اعتبروا التصريح تدخلاً سافراً في سيادة العراق، ما قد يعزز رواية داخلية ضد الضغوط الخارجية ويقوي شعارات الاستقلال ومن أجل تأكيد أن القرار الوطني لا يُفرض من الخارج، وهذا رد فعل سياسي متوقع وقد يؤجج المشاعر الداخلية.
إنتاج تسوية ثالثة
التصعيد الأمريكي قد يدفع قوى عراقية معتدلة أو مستقلة لاقتراح مرشح بديل توافقي لتجنب العقوبات أو فقدان الدعم الخارجي، وهو ما تؤكده التجارب السابقة بأن التحالفات العراقية عادة ما تُنتِج حلولاً تسووية عندما تتزايد الضغوط الخارجية والداخلية.
موجز الدوافع
تصريح ترامب عن المالكي هو مزيج من رسالة انتخابية داخلية، وتعزيز موقف ضد النفوذ الإيراني في العراق، واستخدام الضغط الخارجي كأداة لإعادة تشكيل موازين القوى العراقية.
أما الآثار فانها تتراوح بين تعميق الاستقطاب وفتح فرصة لتسوية برلمانية جديدة، وفي كلتا الحالتين، الإعلان أعاد إلى الواجهة نقاشاً مركزياً حول دور القوة الأمريكية في بلدان ما بعد الصراع، وحدود "التدخل" حين يتقاطع مع سيادة الدول.
علي الطالقاني، رئيس ملتقى النبأ للحوار



اضف تعليق