يدخل العراق مرحلة جديدة من التحديات في قطاع الطاقة، بعد تأجيل مشروع استيراد الغاز المسال الذي كانت الحكومة تعوّل عليه بوصفه أحد أهم الحلول الاستراتيجية لتقليل العجز المزمن في إنتاج الكهرباء.
ويأتي هذا التطور في وقت تتصاعد فيه معدلات الطلب على الطاقة إلى مستويات قياسية، بالتزامن مع استمرار الاعتماد الكبير على الغاز المستورد لتشغيل محطات التوليد، ما يضع البلاد أمام صيف مرشح لأن يكون من الأصعب خلال السنوات الأخيرة.
وأعلنت شركة (إكسيليريت إنرجي) الأميركية تأجيل تشغيل منصة الغاز المسال العائمة الخاصة بالعراق من الربع الثالث لعام 2026 إلى عام 2027، مبررة القرار بالتوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة وما رافقها من اضطرابات في سلاسل الإمداد وتأخر أعمال البنية التحتية، فضلاً عن تحويل إحدى وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة إلى الأردن بشكل مؤقت ضمن ترتيبات تشغيلية انتقالية.
ويُنظر إلى المشروع بوصفه أحد أهم مشاريع الطاقة التي كان من المفترض أن تمنح العراق متنفساً مؤقتاً لحين اكتمال مشاريع استثمار الغاز المحلي، إذ كانت الخطة تقضي بتزويد محطات الكهرباء بنحو 500 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً، بما يسمح بإضافة ما بين 3 إلى 4 آلاف ميغاواط إلى الشبكة الوطنية، وهو ما كان سيُحدث فارقاً ملموساً في تقليص ساعات القطع خلال مواسم الذروة الصيفية.
وكانت الحكومة العراقية تخطط لربط منصة الغاز المسال بخط أنابيب يمتد من ميناء خور الزبير إلى محطة كهرباء بسماية، بهدف تأمين إمدادات مستقرة لمحطات التوليد وإضافة نحو ألفي ميغاواط إلى الشبكة الكهربائية.
وتعد شركة إكسيليريت إنرجي من أبرز الشركات العالمية المتخصصة بوحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة (FSRU)، حيث تدير أكثر من عشر وحدات حول العالم، وتمتلك خبرة واسعة في تنفيذ مشاريع استيراد الغاز المسال خلال فترات قصيرة تتراوح بين ستة أشهر وسنة واحدة من توقيع العقود.
وفي هذا السياق، يرى الخبير في شؤون الطاقة فرات الموسوي أن تأجيل المشروع لا يمثل مجرد تأخير فني، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بضعف جاهزية البنى التحتية العراقية واستمرار هشاشة منظومة الطاقة أمام المتغيرات السياسية والأمنية في المنطقة.
وقال الموسوي لـ"الاقتصاد نيوز" إن عدم اكتمال الأعمال المدنية في مينائي خور الزبير والفاو، بما يشمل الأرصفة وأنابيب الربط، تسبب بإرباك لوجستي دفع الشركة الأميركية إلى تشغيل الوحدة في الأردن بعقد مؤقت يمتد لتسعة أشهر، لضمان استمرارية تدفقاتها المالية.
وأضاف أن العراق فقد بذلك أولوية الحصول على الوحدة العائمة، في وقت يشهد فيه السوق العالمي منافسة متزايدة على وحدات التخزين وإعادة التغويز، ما يجعل تأمين وحدة بديلة أمراً معقداً ويحتاج إلى وقت أطول.
وأشار إلى أن التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران لعبت دوراً مباشراً في تعقيد المشروع، خصوصاً مع تذبذب إمدادات الغاز الإيراني التي يعتمد عليها العراق بشكل كبير لتشغيل محطات الكهرباء. ولفت إلى أن انقطاع تلك الإمدادات في أوقات سابقة أدى إلى خروج ما بين 8 و9 آلاف ميغاواط من الخدمة، الأمر الذي تسبب بارتفاع ساعات القطع وانهيار استقرار الشبكة الوطنية.
وبيّن الموسوي أن المخاطر الأمنية في الخليج العربي ومضيق هرمز، إضافة إلى الحاجة لتأمين ممر مائي آمن لنقل المنصات من كوريا الجنوبية إلى العراق، دفعت شركات التأمين والشركات المنفذة إلى التريث وتأجيل المشروع تجنباً للمخاطر المحتملة.
ومع استمرار التأجيل حتى عام 2027، يواجه العراق تحدياً كبيراً يتمثل بفقدان ما بين 500 إلى 750 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز الذي كان من المفترض أن توفره المنصة، في وقت يتجاوز فيه الطلب المحلي على الكهرباء حاجز 60 ألف ميغاواط خلال فصل الصيف.
ومن المتوقع أن تضطر الحكومة إلى تشغيل عدد أكبر من المحطات باستخدام “الديزل الأحمر” والوقود الثقيل، وهو خيار مكلف مالياً وفنياً، إذ يؤدي إلى رفع كلف الصيانة وتقليل العمر التشغيلي للمحطات، فضلاً عن تأثيراته البيئية.
وفي محاولة لتخفيف الأزمة، تتجه الحكومة إلى تفعيل خطة طوارئ تعتمد على استيراد الغاز التركمانستاني عبر الأراضي الإيرانية بنظام المبادلة (Gas Swap)، إلى جانب تسريع مشاريع الربط الكهربائي مع الأردن ودول الخليج. إلا أن الطاقة المتوقعة من مشاريع الربط، والتي تقدر بنحو 1250 ميغاواط، تبقى محدودة مقارنة بحجم العجز الفعلي.
كما تعمل الحكومة على تسريع مشاريع استثمار الغاز المصاحب ضمن الجولة الخامسة والسادسة من التراخيص النفطية، في محاولة لتقليل الاعتماد على الغاز المستورد وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في ملف الطاقة.
ويرى مختصون أن تأجيل مشروع الغاز المسال يهدد بشكل مباشر خطط العراق لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز بين عامي 2027 و2028، إذ كان المشروع يمثل حلاً انتقالياً مؤقتاً لحين اكتمال مشاريع تطوير الحقول الغازية المحلية.
وفي ظل استمرار الاعتماد على الاستيراد وارتفاع كلفة الوقود البديل، تواجه الموازنة العراقية ضغوطاً إضافية قد تنعكس على قدرة الحكومة في تمويل مشاريع الطاقة المستقبلية، ما يثير مخاوف من دخول القطاع في سلسلة تأجيلات جديدة قد تؤخر معالجة أزمة الكهرباء لسنوات أخرى.
س ع



اضف تعليق