تتصاعد التحذيرات في العراق من انزلاقٍ اجتماعي خطير، مع بروز مؤشرات واضحة على تآكل الطبقة الوسطى وتراجع قدرتها على الصمود أمام موجات الغلاء وشحّ السيولة وضعف الدخول، في ظل تلكؤ الإصلاحات المالية وتعمّق الضغوط المعيشية على شريحة واسعة من الأسر التي كانت تُعدّ تاريخياً صمام أمان للاقتصاد والمجتمع.

ويرى مختصون أن الأزمة لم تعد مرتبطة بارتفاع الأسعار فحسب، بل باتت تمسّ بنية السوق نفسها، مع تقلّص التدفقات النقدية، وتباطؤ حركة البيع والشراء، وغياب رؤية واضحة تمنع تراجع الطبقة الوسطى نحو خطوط الفقر.

وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي ناصر الكناني إن "الطبقة الوسطى والفقراء في العراق يواجهون ضغوطاً مالية خانقة نتيجة الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وهي ضغوط باتت تضرب ميزانيات الأسر بشكل يومي وتضعها أمام خيارات أكثر قسوة".

وأوضح في حديث صحفي أن "الأزمة تتجاوز الجانب المعيشي المباشر، فالسوق تعيش حالياً مشكلة سيولة حادة أثّرت بشكل كبير على الحركة التجارية، وقلّصت قدرة المواطنين على الإنفاق، الأمر الذي أدى إلى موجة ركود محسوسة داخل الأسواق".

وأضاف الكناني ، أنه "مع ضعف الموارد وارتفاع المتطلبات اليومية، أصبحت شريحة واسعة من المواطنين بالكاد قادرة على تغطية احتياجاتها الأساسية، مما يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي على حدّ سواء".

وبيّن أن "استقرار الطبقة الوسطى يُعدّ ركناً أساسياً لأي اقتصاد مستقر، وأي خلل يصيب هذه الفئة ينعكس مباشرة على السوق وعلى الدورة الاقتصادية وعلى الثقة العامة بالسياسات الحكومية".

وأشار الكناني إلى أن "غياب المعالجات الحقيقية لشح السيولة، سواء لدى الشركات أو المواطنين، ينذر بدخول البلاد في حالة ركود أعمق، خصوصاً مع التباطؤ الجاري في القطاعات التجارية والخدمية"، مؤكداً أن "تجارب السنوات الماضية أظهرت أن أي إجراءات تقشفية أو زيادات ضريبية تُتخذ دون دراسة كافية، سرعان ما تدفع بالفئات المتوسطة نحو مستويات معيشية أدنى".

وأضاف أن "المرحلة الحالية تستوجب رؤية اقتصادية أكثر توازناً، تضمن حماية أصحاب الدخل المحدود وتمنع انهيار الفئات التي تتوسط الهرم الاجتماعي"، مبيناً أن "أي خطوة تتعلق بتخفيض الرواتب أو رفع أسعار السلع الأساسية قد تكون شرارة اضطرابات اجتماعية بالنظر إلى حجم الضغط الذي تعيشه الأسر".

وختم الكناني بالقول ، إن "المسؤولية تقع على الحكومة في توفير حلول عملية تمنع انحدار الطبقة الوسطى، سواء عبر دعم الدخل، أو تنشيط السوق، أو معالجة اختناقات السيولة، إذ أن استمرار هذا المسار سيقود إلى بيئة اقتصادية أكثر هشاشة، ويعمّق فقدان الثقة بالإجراءات المالية".


اضف تعليق