على مدى عقود، واجهت الأقليات الشيعية في عدد من الدول العربية تحديات متصاعدة، تراوحت بين التهميش السياسي والتمييز الممنهج، وصولًا إلى الاعتقالات التعسفية وأحكام الإعدام. هذا التقرير يرصد أبرز هذه الانتهاكات، مدعومًا ببيانات وتقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية وإقليمية.
الإقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي
في بعض الدول، يُحرم المواطنون الشيعة من التمثيل السياسي العادل أو الوصول إلى المناصب الحساسة، ما يعمّق شعور التهميش ويؤثر على مشاركتهم في صنع القرار، حيث تشير تقارير حقوقية إلى اعتقال ناشطين ورجال دين شيعة بتهم تتعلق بـ"الإرهاب" أو زعزعة الأمن، غالبًا دون ضمانات قانونية كافية.
أصدر منتدى البحرين لحقوق الانسان بالتعاون مع الباحث عباس المرشد دراسة حقوقية بعنوان "الهندسات السياسية لتصفية الهوية الشيعية في البحرين" حول كيفية تحوّل الاضطهاد الطائفي ضد الشعب البحراني إلى حرب تصفية هوية الشعب البحراني.
ويشرح الباحث في مستهل الدراسة وبشكل عِلمي المنهجية التي اتبعتها السلطات البحرينية لتجريد البحرين من ثقافته الأصلية عبر عدم الاعتراف بهويته القومية الشعبية واستبدالها بقومية "بيت الحكم"، وازدرائ الشعب بوسائل وأساليب عديدة، ودور المؤسسات الرسمية في ذلك خصوصاً أثناء وبعد الاستعمار البريطاني للبحرين.
وفي المباحث الثلاثة التي تشكلّ صلب موضوع الدراسة، شرح المرشد بشكل مفصّل الخلفية التاريخية والوقائع المفصلية التي مهّدت وأسّست للتمكين من الاضطهاد الطائفي الذي مارسته سلطات البحرين، وبعده للتمكين من محاولة تغيير هوية البحرين الشعبية عبر تطبيق مخ…
السعودية: مقاربة أمنية شاملة
في المملكة العربية السعودية، وخصوصًا في المنطقة الشرقية، تتخذ القضية بعدًا مختلفًا يرتبط بطبيعة النظام الأمني والسياسي. فالتقارير الحقوقية تشير إلى أن السلطات تعتمد مقاربة أمنية شاملة في التعامل مع أي نشاط يُنظر إليه على أنه تهديد محتمل للاستقرار.
ضمن هذا الإطار، سُجلت حالات اعتقال لناشطين ورجال دين، إلى جانب تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز. كما يبرز ملف أحكام الإعدام كأحد أكثر الجوانب إثارة للجدل، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني.
وتشير تقارير دولية إلى أن تعريف “الإرهاب” في بعض القوانين يتسم بالاتساع، ما يسمح بإدراج أنشطة لا تنطوي على عنف ضمن هذا الإطار، الأمر الذي يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة قد تُستخدم لتقييد حرية التعبير.
لم تحدث تغييرات كبيرة في أوضاع حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية خلال الاعوام السابقة ، حيث شملت أهم قضايا حقوق الإنسان تقارير موثوقة عن: عمليات القتل التعسفي أو غير القانوني والاختفاء والتعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة والاعتقال والاحتجاز التعسفيين والقمع العابر للحدود ضد الأفراد في بلد آخر؛ والقيود الخطيرة على حرية التعبير وحرية الإعلام، بما في ذلك الاعتقالات أو الملاحقات القضائية غير المبررة للصحفيين والرقابة؛ والقيود على الحرية الدينية؛ وحظر النقابات العمالية المستقلة أو فرض قيود كبيرة أو منهجية على حرية العمال في تكوين الجمعيات.
ولم تتخذ الحكومة خطوات موثوقة أو أي إجراء لتحديد ومعاقبة المسؤولين الذين ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان يمكن التحقق منها.
وعلى الرغم من أنَّ المادة (22) من دستور البحرين التي تنص على أنَّ "حرية الضمير مطلقة، وتكفل الدولة حرمة دور العبادة، وحرية القيام بشعائر الأديان والمواكب والاجتماعات الدينية طبقا للعادات المرعية في البلد" من المفترض أن تكون كافية لقطع الطريق أمام أي انتهاكات تمس الحريات الدينية -جريا على العادة السنوية لوزارة الداخلية في التعدي- إلا أنَّ صور الاضطهاد الطائفي بمختلف أشكالها ظلت خاضعة لمزاج السياسات الرسمية.
وهذا نقاش صريح، بناء على تجربة عقد من الاضطهاد الطائفي المنفلت، الذي سخرت له الدولة الامكانات التنفيذية في وزاراتها لتكريسه، وأنفقت الأموال لتبريره أو إنكاره، وأنشأت المؤتمرات والمنظمات واللجان لإبراز صورتها كحاضنة للتسامح الديني، في حين مازالت تمنع صلاةالجمعة.
وفي الوقت الذي ترفع فيه حكومات عربية شعارات الوحدة الوطنية والتسامح الديني، تكشف تقارير حقوقية دولية وسرديات ميدانية عن واقع مختلف تعيشه الأقليات الشيعية في عدد من هذه الدول. هذا الواقع لا يتوقف عند حدود التمييز الاجتماعي أو التهميش السياسي، بل يتجاوزهما إلى أنماط متكررة من الانتهاكات التي تطال الحقوق الأساسية، من حرية التعبير والمعتقد إلى الحق في الحياة نفسها. وبين الرواية الرسمية التي تؤكد الاستقرار، وروايات الضحايا والمنظمات الحقوقية التي تتحدث عن القمع، تتشكل فجوة واسعة تستدعي تحقيقًا معمقًا لفهم ما يجري.
عندما تتحول السياسات إلى نمط دائم
ما يظهر من خلال تتبع التقارير والبيانات ليس مجرد حوادث متفرقة، بل بنية متكاملة من السياسات التي تعيد إنتاج التهميش بصورة مستمرة. ففي عدد من الدول، يُلاحظ أن المشاركة السياسية للشيعة تخضع لقيود غير معلنة لكنها فعّالة، سواء عبر إعادة توزيع الدوائر الانتخابية بطريقة تقلل من تأثيرهم، أو عبر الحد من وصولهم إلى مواقع القرار.
في السياق ذاته، تتحول القوانين ذات الطابع الأمني، خصوصًا قوانين مكافحة الإرهاب، إلى أدوات مرنة يمكن استخدامها لتجريم النشاط السياسي السلمي أو حتى التعبير عن الرأي. وغالبًا ما تُرافق هذه الإجراءات محاكمات تثير تساؤلات جدية حول مدى التزامها بالمعايير الدولية، خصوصًا في ظل الحديث عن اعترافات منتزعة تحت الضغط أو غياب الضمانات الكافية للدفاع.
ولا يقتصر الأمر على السياسة، بل يمتد إلى المجال الديني، حيث تُفرض قيود متفاوتة على ممارسة الشعائر، ويُراقب الخطاب الديني، ما يخلق شعورًا بأن الهوية الدينية نفسها باتت موضع استهداف.
البحرين: إعادة تشكيل الهوية في ظل التوتر السياسي
تُعد البحرين من أبرز النماذج التي تعكس تعقيد هذا الملف. فمنذ أحداث عام 2011، دخلت البلاد في مرحلة من التوتر السياسي انعكست بشكل واضح على الواقع الحقوقي، خاصة فيما يتعلق بالمجتمع الشيعي.
تشير دراسات حقوقية إلى أن ما جرى لم يكن مجرد رد فعل أمني مؤقت، بل تطور إلى سياسات طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية والديموغرافية. فقد أُعيد رسم الدوائر الانتخابية بطريقة أثارت جدلًا واسعًا حول عدالتها، في حين طالت إجراءات سحب الجنسية مئات المواطنين، ما أدى إلى تداعيات اجتماعية وإنسانية عميقة.
وفي الوقت نفسه، برزت سياسات التجنيس كعامل إضافي في تغيير التركيبة السكانية، وهو ما اعتبرته بعض الدراسات جزءًا من “هندسة سياسية” أوسع. وعلى الصعيد الديني، تستمر التقارير في توثيق قيود تتجدد سنويًا خلال موسم عاشوراء، حيث تتحول المناسبة من طقس ديني إلى ملف أمني، تُدار تفاصيله عبر الاستدعاءات والمراقبة والملاحقات.
اليمن: الطائفية في سياق الحرب
في اليمن، لا يمكن فهم وضع الشيعة بمعزل عن الحرب المستمرة التي أعادت تشكيل البلاد بالكامل. فالمناطق ذات الغالبية الزيدية كانت مسرحًا لانتهاكات متعددة ارتكبتها أطراف مختلفة في النزاع، ما يجعل الطائفية جزءًا من مشهد أكثر تعقيدًا يتداخل فيه السياسي بالعسكري.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب الفصل بين الانتهاكات ذات الطابع الطائفي وتلك المرتبطة بسياق الحرب، حيث تتداخل المسؤوليات وتتعدد الجهات الفاعلة، بينما يبقى المدنيون هم الخاسر الأكبر.
الأرقام والواقع: فجوة بين التوثيق والحقيقة
رغم صعوبة الوصول إلى بيانات دقيقة بسبب القيود المفروضة في بعض الدول، فإن المؤشرات المتاحة ترسم صورة مقلقة. تقارير حقوقية تتحدث عن عشرات أحكام الإعدام في قضايا ذات طابع سياسي، ومئات حالات الاعتقال، فضلًا عن قيود مستمرة على الحريات الدينية والتعبير.
غير أن هذه الأرقام، بحسب خبراء، لا تعكس بالضرورة الحجم الكامل للانتهاكات، إذ إن جزءًا كبيرًا منها لا يتم توثيقه بسبب الخوف أو غياب آليات الرصد المستقلة.
المجتمع الدولي: إدانات بلا أدوات
على المستوى الدولي، تتكرر الدعوات لوقف الانتهاكات واحترام حقوق الإنسان، خصوصًا من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية. لكن هذه الدعوات غالبًا ما تبقى في إطار البيانات والتقارير، دون أن تتحول إلى إجراءات ملموسة قادرة على إحداث تغيير فعلي.
ويرى مراقبون أن غياب الإرادة السياسية الدولية، إلى جانب تعقيدات المصالح الإقليمية، يجعل من الصعب ممارسة ضغوط حقيقية على الحكومات المعنية.
الأمن أم السياسة؟
تطرح هذه الوقائع سؤالًا جوهريًا حول الدوافع الكامنة وراء هذه السياسات. فبينما تبررها الحكومات باعتبارات أمنية، يرى محللون أنها ترتبط أيضًا بحسابات سياسية أعمق، تتعلق بإدارة التوازنات الداخلية والخارجية.
وفي المقابل، تؤكد أصوات من داخل المجتمعات الشيعية أن مطالبها لا تتجاوز إطار الحقوق المدنية، مثل المساواة أمام القانون، وحرية المعتقد، والمشاركة السياسية.
أزمة مستمرة بلا أفق واضح
في المحصلة، يكشف هذا التحقيق عن أزمة تتجاوز حدود الانتهاكات الفردية، لتصل إلى مستوى العلاقة بين الدولة والمواطنة. وبينما تستمر الدعوات الدولية للإصلاح، يبقى الواقع على الأرض محكومًا بمعادلات معقدة، تجعل من التغيير عملية بطيئة وغير مضمونة.
وفي ظل هذا المشهد، يظل السؤال مفتوحًا: هل يمكن تحقيق استقرار حقيقي دون معالجة جذور التمييز، أم أن استمرار هذه السياسات سيبقي المنطقة في دائرة التوتر؟
المصادر
تقارير منظمة العفو الدولية
تقارير هيومن رايتس ووتش
تقارير حقوق الإنسان الدولية
دراسات منتدى البحرين لحقوق الإنسان
تقارير منظمات حقوقية إقليمية مستقلة
س ع



اضف تعليق