في الوقت الذي يتابع فيه ملايين الأشخاص حول العالم منافسات البطولات الرياضية بشغف، تتزايد التساؤلات حول التأثير الحقيقي لهذا الشغف على الصحة النفسية وجودة الحياة. وبينما يُنظر إلى الرياضة غالباً بوصفها وسيلة للترفيه والمتعة، تشير دراسات حديثة في علم النفس إلى أن تشجيع الفرق الرياضية وحضور المباريات قد يحملان فوائد أعمق، تتعلق بالشعور بالانتماء والرضا عن الحياة وتعزيز الصحة العقلية.
وبحسب مقال في موقع "تايم"، يرى مجموعة من خبراء علم النفس بطولة كأس العالم، فرصة للإجابة عن مثل هذه الأسئلة وأسئلة عن الفائدة التي يجنيها الناس من مشاهدة المنافسات الرياضية، وهل لهذه المشاهدة فوائد للصحة؟
هيلين كير، اختصاصية علم النفس الإدراكي في جامعة "أنجليا روسكين" في إنجلترا، هي واحدة من هؤلاء العلماء الذين اهتموا بالأمر. وخلصت دراسة قامت بها مع آخرين إلى أن مشاهدة المنافسات الرياضية بجميع أنواعها، سواء من الملعب أو عبر الشاشة، يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي على المرء. وحتى في حالة خسارة فريقك، يستفيد المشجعون من الفعل الاجتماعي لتشجيع وتأييد فريق ما.
ومن خلال بيانات تم جمعها من استبيان شمل أكثر من 7 آلاف شخص، في عام 2023، رصد فريق البحث ما إذا كان حضور مناسبة رياضية في العام الماضي قد غير من تجارب الأشخاص بشأن الشعور بالقلق والوحدة والإحساس بأن الحياة نفسها تستحق العيش. بالإضافة إلى ذلك بحث الفريق العلاقة بين هذه العوامل وبيانات ديمغرافية مثل ما إذا كان الشخص يعمل، وحالته الصحية، والجنس. ولم يشترط أن تكون قيمة تذاكر المنافسات الرياضية غالية أو أن تتضمن مشاركة لاعبين محترفين، إذ تم احتساب المنافسات المحلية التي تضمنت مشاركة هواة.
ووجد الباحثون أن حضور مباراة بشكل مباشر عزز بشكل ملحوظ بعض مقاييس الشعور بجودة الحياة، وتوضح هيلين أن الدراسة كشفت أن حضور حدث رياضي بشكل مباشر ارتبط بشعور أكبر بأن "حياتك ذات قيمة". كما وجدوا أن حضور مناسبة رياضية بشكل مباشر أثر بشكل أكبر على شعور الناس بأن الحياة تستحق العيش مقارنة بكونهم يعملون أم لا.
كما أظهرت دراسة أجريت في عام 2020 من قبل مجموعة أخرى من الباحثين أن مشاهدة المنافسات الرياضية عبر الشاشة أثرت بشكل إيجابي أيضا على الشعور بالرضا عن الحياة وجودتها، لكنها لم تقلل من الشعور بالوحدة مثلما يفعل حضور المناسبة شخصيا.
ويشير هذا إلى أن حث الناس على حضور فعاليات رياضية قد يكون وسيلة جيدة للحكومات من أجل تحسين الصحة العقلية. ومن بين الوسائل الأخرى التي بحثتها هيلين وفريقها تشجيع الناس على ممارسة الحرف اليدوية والتطوع، موضحة أن الفريق كان يحاول التوصل إلى طريقة ممتعة يمكن من خلالها تحسين الصحة العامة والعقلية للناس.
يقول دانيال وان، عالم النفس الاجتماعي في جامعة موراي الحكومية في كنتاكي، إن أي شخص مر بالتقلبات الكبيرة أثناء متابعة مباراة رياضية قد يتساءل عن الفائدة من وراء ذلك، خاصة أنه يعلم أن هناك تساوياً في فرص الفوز والخسارة.
ويوضح وان، الذي يجري دراسات عن التشجيع الرياضي منذ عقود، أن هذا السؤال كان السبب وراء الكثير من أبحاث علم النفس التي ناقشت ظواهر مثل الابتعاد عن الفريق عند الخسارة والشعور بالفخر عندما يفوز الفريق.
بشكل عام، يرى الخبراء أن التشجيع الرياضي مفيد للصحة النفسية بشكل كبير، حتى عند الخسارة. ويقول وان إن الأشخاص الذين يشجعون فريقا ما لديهم تقدير أعلى للذات، ومستويات أقل من الشعور بالوحدة والاغتراب، كما أن لديهم شعورا أعلى بالارتباط الاجتماعي. ويضيف أنه "يمكن للتشجيع أن يساعد الأفراد على تلبية الحاجات النفسية الأساسية، مثل الحاجة إلى الانتماء".
وفي الوقت نفسه، يسمح التشجيع الرياضي للناس بتمييز أنفسهم عن المجموعة، مانحين أنفسهم هوية فريدة داخل المجتمع. فقد تكون من محبي الرياضة الذين يتابعون كلا من كرة القدم والرماية، على سبيل المثال، أو يمكن أن تكون شخصا متخصصا في متابعة مجموعة معينة من اللاعبين. ويؤكد وان أن الشعور بالتميز الفردي هو حاجة نفسية أساسية أيضا.
كما أن البطولات الرياضية المنتظمة توفر نوعا من الإطار لحياة المشجعين. إذ قد يتذكر شخص ما مكان وجوده خلال بطولة كأس العالم الأخيرة، أو قد يخطط لحفلات ترتبط ببطولة ما قبلها بفترة زمنية. ويقول وان إن هذه الطقوس تمنح الراحة، وتعطي الناس شيئا يتطلعون إليه.
س ع



اضف تعليق