تتسارع عمليات دمج أدوات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، وتتصاعد مخاوف الصحفيين حول العالم من تأثير هذه التكنولوجيا على الوظائف وأخلاقيات المهنة واستقلالية التحرير.
وسلطت الصحفية "غريتيل كان" الضوء على تلك المخاوف في تقرير نشره معهد رويترز للصحافة، تناول كيف تخوض النقابات الصحفية في عدة دول معركة مبكرة لحماية حقوق العاملين في مواجهة ما يصفه البعض بـ"التهديد الوجودي".
ويشير التقرير إلى أن سؤال "هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الصحفي؟" الذي يلاحق العاملين في الإعلام اليوم لم يعد نظريا، بل أصبح مرتبطا بكيفية تنظيم هذه التكنولوجيا، ومن يضع حدود استخدامها داخل المؤسسات الإعلامية.
وبينما لم تُسجَّل حتى الآن موجات واسعة من تسريح الصحفيين بسبب الذكاء الاصطناعي، فإن التحولات الجارية دفعت نقابات مهنية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا إلى فتح جبهة تفاوض مع المؤسسات الإعلامية، ليس فقط لحماية الوظائف، وإنما أيضا لضبط استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإخباري.
وتلفت غريتيل إلى أن التوترات برزت بوضوح في الولايات المتحدة، حيث قدم صحفيون نقابيون في صحف تابعة لشركة "ماكلاتشي" شكاوى ضد الإدارة بعد إدخال أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغة تقارير الصحفيين وإنتاج نسخ مختلفة منها ونصوص فيديو قصيرة، فقد اعتبر الصحفيون أن تلك الأدوات تنتج محتوى يحمل أسماءهم دون موافقتهم، بما يهدد ثقة الجمهور ويقوض المصداقية التحريرية.
وأضاف التقرير أن صحفيي مؤسسة "بروبوبليكا" نفذوا إضرابا ليوم كامل بعد تعثر مفاوضات بشأن عقد نقابي يتضمن بنودا تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي ومنع تسريحات مرتبطة به، فيما دخلت نقابات صحفية في إيطاليا ونيويورك على خط المواجهة مع الناشرين والإدارات بشأن ما تعتبره غموضا في المعايير التحريرية المنظمة لهذه الأدوات.
وينقل التقرير عن ممثلي النقابات أن القضية تتجاوز الخوف التقليدي من فقدان الوظائف، لتشمل أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة العمل الصحفي نفسه.
ويشمل استخدام الذكاء الاصطناعي وفق التقرير، كتابة المواد أو تحريرها أو إنتاج تقارير آلية قد تحمل أخطاء أو "هلوسات" معلوماتية، بما ينعكس على سمعة الصحفي ومصداقية المؤسسة معا.
ويقول توني وينتون من نقابة "نيوز ميديا غيلد"، بحسب التقرير، إن التحدي لا يكمن فقط في عدم استبدال البشر، بل في التفاوض على حدود الاستخدامات المسموح بها، لأن التكنولوجيا تتطور بوتيرة تجعل ملاحقتها "مثل محاولة تثبيت الجيلي على الحائط".
ويُبرز التقرير أيضا أن بعض النقابات تسعى إلى انتزاع ضمانات تعاقدية تمنع استخدام الذكاء الاصطناعي بديلا عن الصحفيين، أو تفرض تعويضات أعلى إذا ارتبطت أي تسريحات مستقبلية بهذه التكنولوجيا، وتركز أخرى على ضمان الإشراف البشري على أي محتوى يُنتج بمساعدة الخوارزميات.
يرصد التقرير تحديات مضاعفة في الفلبين، إذ يصف أحد المسؤولين النقابيين الذكاء الاصطناعي بأنه "تهديد وجودي"، لكنه يقر بضعف الأدوات المؤسسية المتاحة لفرض حماية حقيقية للعاملين.
وفي اليونان تبدو الصورة أكثر تقدما، حيث طورت النقابات مدونة أخلاقية خاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتسعى للتفاوض مع ملاك المؤسسات الإعلامية على تبني قواعد واضحة.
لكن التقرير لا يقدم صورة أحادية للذكاء الاصطناعي بوصفه خطرا صرفا، بل يوضح أن كثيرا من الصحفيين يقبلون استخدامه في مهام مساندة مثل التفريغ والترجمة وتحليل قواعد البيانات الضخمة، ويتركز الاعتراض حين يمتد إلى الأدوار التحريرية والإبداعية التي تُعد جوهر العمل الصحفي.
متعلقة بتحليل بيانات مصل الهاكرز وخلافه - الجزيرة - الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي يوفر قدرة على الرصد الإخباري والتحقق من المصادر (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)
ويحذر التقرير من أن بعض المؤسسات الإعلامية بدأت تتبنى خطابا أقرب إلى شركات التكنولوجيا، يقوم على "توسيع المحتوى" ورفع الإنتاجية بواسطة الذكاء الاصطناعي، في وقت يرى فيه صحفيون أن هذا المنطق قد يُضعف أحد أهم عناصر الصحافة وهو الثقة.
ويخلص التقرير إلى أن المعركة لا تزال في بدايتها، لكن العقود النقابية والمفاوضات الجماعية قد تصبح إحدى الأدوات القليلة القادرة على منح الصحفيين صوتا في مرحلة تحول جذري تشهدها الصناعة الإخبارية.
وفي ظل أزمات التمويل وتراجع نماذج الأعمال التقليدية في الإعلام، يبدو هذا الصراع جزءا من سؤال أكبر عن مستقبل الصحافة نفسها، وكيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز العمل الصحفي دون أن يتحول إلى أداة تقوضه من الداخل؟
س ع



اضف تعليق