تحول الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة إلى قوة تعيد تشكيل العمل والمعرفة والعلاقات الإنسانية وحتى طريقة إدارة البنى التحتية الحيوية، وفقا لعدة وسائل إعلام أوروبية وأمريكية.

هذه الصحف والمواقع الإخبارية لفتت إلى أن تسارع قدرات هذا الوافد الجديد بوتيرة غير مسبوقة، واكبه، في المقابل، تصاعد شعور عالمي بالقلق من تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وفي قلب هذا التحول، تشير تقارير عدة إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح يرفع الإنتاجية بشكل كبير، لكنه في الوقت نفسه يخلق حالة عدم يقين في سوق العمل، إذ يقول تقرير بصحيفة لوتان السويسرية، أعده الصحفي لويك بيالات إن بعض العاملين بات ينجز في أيام ما كان يستغرق أشهرا.

لكنه، في المقابل لا يرى مستقبلا آمنا لوظيفته في ظل ما يراه من تسريحات مرتبطة باستثمارات شركات كبرى مثل ميتا في الذكاء الاصطناعي، هذا التناقض بين الكفاءة المتزايدة والخوف من الاستبدال بات سمة أساسية في سوق العمل الحديث، حيث تشير استطلاعات إلى أن غالبية الأمريكيين باتوا قلقين من تأثير هذه التكنولوجيا على وظائفهم.

ويقول أحد مطوري البرمجيات في التقرير: "أنجز الآن في أسبوع ما كنت أحتاج ثلاثة أشهر لإنجازه، لكنني لا أرى شيئا إيجابيا حين أفكر بالمستقبل"، في تعبير يلخص التناقض الذي يرافق الثورة التقنية الجديدة، فالإنتاجية ترتفع بسرعة غير مسبوقة، لكن الخوف من الاستبدال وفقدان الوظائف يتصاعد بالوتيرة نفسها.

وبحسب استطلاع أجرته وكالة رويترز، فإن 71% من الأمريكيين يشعرون بالقلق من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، بينما حذر رئيس شركة آنثروبيك من احتمال وصول البطالة إلى 20% خلال 5 سنوات.

في المقابل، يرى بعض الخبراء أن الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف جديدة على المدى الطويل، لكنه في الوقت الحالي يفرض حالة من عدم اليقين والاضطراب داخل بيئات العمل.

لكن القلق لا يتوقف عند حدود الاقتصاد، ففي تقرير لموقع ميديا بارت الفرنسي، للصحفية شارلوت موجير، يتضح أن الطموح الجديد في تطوير ما يسمى "نماذج العالم" لا يهدف فقط إلى فهم اللغة، بل إلى محاكاة قوانين الطبيعة والتفاعل مع الواقع نفسه.

ويشرح التقرير كيف انتقلت شركات ومختبرات التكنولوجيا من تطوير روبوتات قادرة على استيعاب قوانين الفيزياء والعلاقات السببية والتنبؤ بنتائج الأفعال.

لكن، رغم الإبهار العلمي الذي يحيط بهذه المشاريع، ورغم تنافس شركات التكنولوجيا الكبيرة على تطوير أنظمة قادرة على بناء عوالم افتراضية كاملة والتفاعل معها، فإن هذا التوسع يطرح أسئلة ثقيلة حول كلفة الطاقة والبيانات، وحول قدرة البشر على مواكبة سباق تقني يتجاوز حدود السيطرة التقليدية.

وفي زاوية أخرى، تبرز تحذيرات سياسية وأخلاقية أكثر حدة، ففي مقابلة لها مع مجلة لونوفيل اوبس الفرنسية، ترى الباحثة ميريديت ويتاكر وهي رئيسة تطبيق سيغنال وباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أن هذه التقنية الجديدة لا تمثل قوة خارقة، بل أداة تكرس تركز السلطة بيد عدد محدود من شركات التكنولوجيا مثل غوغل ومايكروسوفت،

وتحذر من أن هذا التركيز، المقترن بغياب الشفافية، قد يحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للتأثير على الرأي العام وتوجيه المجتمعات، بما يهدد التوازن الديمقراطي ويزيد من هشاشة الثقة في المعلومات.

كما توقعت أن يواجه قطاع الذكاء الاصطناعي "رد فعل اجتماعي عكسي" عندما تتضح الفجوة بين الوعود الضخمة والنتائج الفعلية لهذه التكنولوجيا.

وترى ويتاكر أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقاس بحجم النماذج أو سرعتها، بل بمدى فائدتها الحقيقية للمجتمع، محذرة من أن استمرار السباق الحالي دون ضوابط سياسية وأخلاقية قد يعمق التفاوت الاقتصادي ويقوض الخصوصية والديمقراطية معا.

ولا يقتصر الأثر على السياسة والاقتصاد، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي والنفسي، فبحسب دراسات لخصتها مجلة لوبوان الفرنسية، بدأت تطبيقات "الرفيق الذكي" مثل ريبليكا (Replika) وكاراكتر إيه آي (Character.AI) تلعب دورا عاطفيا متزايدا في حياة المستخدمين، لكنها في الوقت نفسه قد تعزز العزلة أو تدفع إلى الاعتماد المفرط على تفاعل غير بشري. كما يشير خبراء مثل آري كاوتس إلى أن المحتوى الذي تنتجه هذه الأنظمة بات شديد الشبه بالنصوص البشرية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الإبداع وحدود التمييز بين الإنسان والآلة.

وتعكس هذه التطورات قلقا أوسع من أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على محاكاة البشر عاطفيا وفكريا، في وقت يخشى فيه كثيرون من أن يؤدي ذلك إلى تآكل الروابط الإنسانية الحقيقية، وطمس الحدود بين الحقيقة والتقنية، وحتى إعادة تعريف معنى الإبداع والتواصل البشري نفسه.

أما في البنية التحتية، فيكشف تقرير لموقع بوليتيكو الأمريكي عن إدخال الذكاء الاصطناعي في إدارة حركة الطيران الأمريكية عبر مشروع يطلق عليه سمارت/SMART ترعاه الإدارة الفيدرالية للطيران ويهدف للتنبؤ بالازدحام وتنظيم الرحلات مسبقا.

ورغم التأكيد على أن القرار النهائي سيبقى بيد البشر، فإن هذا التوجه يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى عنصر أساسي في إدارة أنظمة حساسة، ما يفتح نقاشا جديدا حول حدود الاعتماد عليه في مجالات تتطلب أعلى درجات الدقة والأمان.

وفي السياق نفسه، يسلط مقال للكاتب دييغو ماراني في صحيفة غارديان البريطانية الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في مجال الترجمة، فيلفت إلى التحول الجذري الذي قد تحدثه تقنيات الترجمة الفورية بالذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت قادرة على إزالة الحواجز اللغوية بشكل شبه كامل عبر أدوات متقدمة طورتها شركات مثل ديبل (DeepL)

لكن الكاتب يحذر من أن هذا البرنامج رغم الكفاءة العالية، قد يؤدي إلى خسارة ثقافية غير مرئية، إذ يجعل التواصل أسهل لكنه يقلل من الحاجة إلى تعلم اللغات، وبالتالي يضعف التفاعل العميق مع الثقافات الأخرى ويحول اللغة إلى مجرد أداة تقنية بدل كونها تجربة إنسانية غنية.

ويخلص الكاتب إلى أن التقدم التقني، رغم فوائده، قد يحمل معه خسارة صامتة تتمثل في تراجع الفضول البشري وفقدان الدافع لتعلم الآخر وفهمه، وهو ما قد يضعف في النهاية عمق التفاهم بين الثقافات، حتى لو أصبحت الترجمة أكثر دقة من أي وقت مضى.

عود على بدء، تكشف هذه التقارير مجتمعة صورة مزدوجة، ذكاء اصطناعي يزداد قوة وقدرة على التغلغل في كل تفاصيل الحياة، مقابل بشر يعيشون حالة متصاعدة من القلق بشأن العمل والمعنى والثقافة والسلطة.

لكن، بينما تعد هذه التكنولوجيا بزيادة الكفاءة وتوسيع الإمكانات، فإنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا جوهريا لم يحسم بعد: هل يقودنا هذا التطور إلى عالم أكثر تقدما، أم إلى عالم أكثر هشاشة في فهم الإنسان لذاته وللآخرين؟

المصدر: غارديان + لوبس + لوبوان + ميديابارت


اضف تعليق