النبأ: بغداد-كربلاء-النجف

يأتي شهر رمضان في العراق سنويًا كظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة تتجاوز المعنى الديني الضيق، ليعكس حالة استثنائية تجمع بين الروحانية، التقاليد التراثية، والضغوط الاقتصادية في آن واحد، خاصة في عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦ في ظل تحديات محلية وإقليمية معقدة تستوجب قراءة شاملة في مختلف أبعاد هذا الشهر الكريم.

يمثل تحديد بداية شهر رمضان في العراق حدثا طقسيا واجتماعيا ذا دلالات واسعة، في عام ٢٠٢٥ مثلاً، شهدت البلاد انقسامات في رؤية هلال رمضان، استنادا إلى معايير شرعية متنوعة. وقد انعكس هذا التباين على بعض المناطق المختلطة مثل بغداد التي عايشت "يوم سايق ويوم صايم" بين الجيران، قبل أن تتوحد التجربة الاجتماعية لاحقا مع دخول الأسواق والأنشطة العامة في أجواء الشهر المبارك. 

وفي عام ٢٠٢٦، يبرز حدث فريد من نوعه، فوفق تقويم ديني محلي، يتزامن شهر رمضان مع فترة الصوم الكبير المسيحي ، ما يعكس سياقا تاريخيا لتعايش الأديان في العراق، حيث تشهد الأسواق والفضاءات العامة تجهيزات رمضانية إلى جانب استعدادات طقوسية مسيحية في أيام متقاربة، ما يعزز قيم التعايش والتنوع المجتمعي.

السلوك الاجتماعي والطقوس اليومية

يعد شهر رمضان في العراق امتدادًا للحياة اليومية، بما يشمله من تغييرات في السلوكيات الاجتماعية والأنشطة العائلية، إضافة إلى طقوس ممتدة عبر التاريخ. يشهد البلد منذ الفترة السابقة للشهر الفضيل استعدادات مكثفة في المنازل والأسواق، وتزدهر فيه مظاهر الألفة، المحبة، والتآزر بين الجيران والأقارب، في ظل أجواء من التآخي والتسامح.

من بين أبرز الطقوس الاجتماعية، بقاء شخصية "المسحراتي" أو "أبو الطبل" في الأزقة القديمة قبل آذان الفجر، ليوقظ الصائمين للسحور بنبرة مألوفة تحمل عبق التراث، رغم انتشار المنبهات الحديثة.

وتظل الألعاب الشعبية التراثية جزءا لا يتجزأ من الحياة الرمضانية، مثل لعبة "المحيبس" التي تمارسها العائلات العراقية منذ مئات السنين وتستند إلى الفراسة وقراءة لغة الجسد، و"ماجينة/قرقيعان" التي تمارسها الأطفال في الأحياء، ما يعزز روح الجماعة والمشاركة.

تُعد مائدة الإفطار العراقية أحد أبرز ملامح الوجدان الرمضاني، لما تحمله من تنوع يعكس عمق الهوية الثقافية العراقية. تبدأ الوجبة عادة بكسر الصيام بالتمر والماء أو اللبن، في تقليد متوارث منذ قرون. وتُعتبر شوربة العدس و"الدولمة العراقية" وغيرها من الأطباق التراثية جزءًا ثابتًا من الإفطار، يعبر عن تمازج الحضارات القديمة مع نكهات عصرية.

وتتنوع الأطباق بحسب الجغرافيا داخل العراق، ففي جنوب البلاد ينتشر "التشريب" و"البرياني" بينما يبرز في الشمال "كبة الموصل". أما الحلويات، فتمثل محورا للمتعة بعد الإفطار مع أطباق معروفة مثل "الزلابية" و"البقلاوة"، إضافة إلى الشاي العراقي التقليدي الذي يقام حوله السمر والسهرات.

رواج الأسواق وتحديات الأسعار

يُعتبر رمضان موسمًا محوريًا في الاقتصاد العراقي، حيث تشهد الأسواق نشاطًا ملحوظًا في الطلب على السلع الغذائية والخدمات المتصلة بالإفطار والسحور. وفق تقارير اقتصادية، يُقدر استهلاك الغذاء في العراق في عام ٢٠٢٥ بنحو ٣٨.٩ مليار دولار، ما يعكس أهمية هذا القطاع في دورة الاستهلاك الكلية رغم التحديات التضخمية في الأسعار. 

ويرى مراقبون اقتصاديون أن النشاط التجاري يتخذ وتيرة متصاعدة عبر الثلث الثالث من رمضان، استعدادًا لعيد الفطر، ما يوفر حركة نشطة في قطاعات الملابس، والمستلزمات المنزلية، والخدمات الغذائية. ومن شأن هذه الدورة أن تساهم في تخفيف بعض الضغوط على الأسواق، لكنها لا تلغي الهموم المتعلقة بتفاوت القوة الشرائية في مختلف المحافظات. 

ضوابط قانونية وتكافل اجتماعي 

تتخوف الجهات الحكومية في العراق من الانحرافات السلوكية خلال الصيام، فتعمل على فرض قواعد تنظيمية، أبرزها حظر الأكل العلني خلال النهار في الأماكن العامة، وتعليق بيع المشروبات الكحولية طوال الشهر، إلى جانب قيود على بعض الخدمات في المطاعم والمقاهي. وتلجأ الجهات المعنية إلى إصدار تعليمات مشددة لضمان احترام "قدسية الشهر" والتقليل من النزاعات الاجتماعية.

فيما تكتسب أنشطة التكافل الاجتماعي أهمية مضاعفة في رمضان، حيث تنشط حملات توزيع السلال الغذائية التي تنظمها مؤسسات مجتمع مدني، وجمعيات خيرية، وفاعلون في المجتمع، بهدف دعم الشرائح الضعيفة. وتشكل هذه المبادرات عنصرًا أساسيًا في تجربة الشهر، عبر إشراك العامّة في أعمال الخير، وتعزيز قيم التراحم والتضامن.

البعد الثقافي والإعلامي

لم تغب الثقافات عن اهتمام الإعلام العراقي الذي يخصص برامجه الرمضانية المتنوعة لتلبية اهتمامات الجمهور في مجالات دينية، اجتماعية، وترفيهية، كما أعلنت شبكة الإعلام العراقي عن خطتها البرامجية لشهر رمضان التي تشمل تغطية نشاطات المؤسسات الحكومية والفعاليات الثقافية.

يبقى شهر رمضان في العراق أكثر من مجرد فترة صيام؛ إنه مرآة للهوية العراقية التي تقاوم التحديات الاقتصادية وتحافظ على تراثها الاجتماعي المتنوع. من "قدر الدولمة" وتحضير الحلويات، إلى التلاحم في الألعاب الشعبية، وتوزيع السلال الخيرية، ترسم هذه الطقوس صورة مجتمع يتشبث بروحه رغم كل الضغوط المعاصرة. 

اكتسبت تجارب رمضان في العراق خلال السنوات الأخيرة طابعًا خاصًا، يجمع بين القيم الدينية، والتضامن الاجتماعي، والديناميكية الاقتصادية، وهو ما يجعل هذا الشهر محطة محورية في الحياة العراقية الدينية والثقافية.

ع ع

اضف تعليق