النبأ: في قلب العاصمة العراقية بغداد، وتحديداً في أروقة القصر الحكومي المطل على دجلة، لم تعد الاجتماعات تقتصر على معالجة الأزمات الخدمية أو التحديات الأمنية الداخلية، فالمشهد في مطلع عام 2026 يعكس تحولاً جذرياً، وفود من واشنطن وطهران، والرياض وأنقرة، تلتقي في "منطقة دولية" باتت تُعرف اليوم بأنها "غرفة عمليات الدبلوماسية الهادئة" في الشرق الأوسط.

لسنوات طويلة، عُرف العراق بأنه "صندوق بريد" للرسائل الدامية بين القوى الإقليمية، إلا أن تقرير مؤشر القوة الناعمة العالمي (Global Soft Power Index) لعام 2026 يظهر صعوداً غير مسبوق للعراق، حيث تجاوزت سمعته الدولية حاجز "الدولة الهشة" لتدخل ضمن قائمة الدول الأكثر تأثيراً في استقرار المنطقة.

وفقاً لـ مركز تشاتام هاوس (Chatham House) البريطاني، فإن "عراق 2026" استطاع تحويل نقاط ضعفه السابقة (تعدد الولاءات والارتباطات) إلى نقاط قوة، عبر لعب دور "المترجم السياسي" الذي يفهم لغة واشنطن وطهران في آن واحد، وهذا التحول لم يكن صدفة، بل نتاج استراتيجية "التوازن المنتج" التي اتبعتها بغداد لربط أمنها القومي باستقرار جيرانها.

 الوساطة الكبرى

مع دخول عام 2026، تصدرت وكالات الأنباء العالمية (مثل رويترز والأناضول) أنباءً عن "مبادرة بغداد للسلام الإقليمي". تشير التقارير إلى أن العراق نجح في استضافة الجولة السادسة من الحوار المباشر بين مسؤولين أمنيين من الولايات المتحدة وإيران، وهو ما وصفته معاهد دولية ومراكز أبحاث.

لماذا بغداد؟ يرى المحللون في مجموعة الأزمات الدولية (Crisis Group) أن الثقة التي بنتها بغداد مع الطرفين نابعة من "الحياد الإيجابي". العراق لم يعد ينحاز لطرف ضد آخر، بل أصبح يطرح مقايضات واقعية: "تخفيف التصعيد مقابل الاستقرار الاقتصادي".

نتائج ملموسة: أدت هذه الوساطة في أوائل 2026 إلى خفض ملموس في الهجمات المتبادلة على الأراضي السورية واللبنانية، مما أعطى العراق صفة "ضامن الاستقرار".

الاقتصاد يقود الدبلوماسية

لا يمكن فصل الدور السياسي للعراق عن طموحاته الاقتصادية. فمشروع "طريق التنمية" (القناة الجافة التي تربط ميناء الفاو بتركيا وأوروبا) أصبح في 2026 المحرك الأساسي للدبلوماسية العراقية.

وذكرت وكالة بلومبرغ (Bloomberg) في تقرير اقتصادي حديث أن "طريق التنمية" أجبر دول الجوار على الجلوس إلى طاولة المفاوضات في بغداد. فالكل يريد حصة من هذا الممر التجاري العالمي. هذا الاعتماد المتبادل خلق نوعاً من "السلام الاقتصادي"؛ حيث تجد دول مثل تركيا وإيران والخليج مصلحة مشتركة في استقرار العراق لضمان تدفق بضائعها عبر أراضيه.

وكانت استضافة بغداد للقمة العربية في عام 2025 بمثابة "شهادة عودة" العراق إلى حضنه الطبيعي. وبحسب صحيفة "الشرق الأوسط"، فإن العراق استغل دوره في الجامعة العربية للتوسط في ملفات شائكة، منها العلاقات العربية مع طهران، والملف السوري المعقد.

في عام 2026، لم يعد العراق يطلب المساعدة، بل أصبح هو من يقدم الحلول. "دبلوماسية المياه" مع تركيا و"تفاهمات الطاقة" مع دول الخليج جعلت من بغداد محوراً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية جديدة.

سويسرا الشرق وألغام الطريق

رغم هذا التفاؤل، لا يخلو الطريق من معوقات رصدها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن:

- السلاح المنفلت: لا يزال تحدي ضبط السلاح خارج إطار الدولة يمثل "خاصرة رخوة" قد تهدد صدقية العراق الدولية كحياد إقليمي.

- الفساد الإداري: يعيق الفساد ترجمة النجاح السياسي إلى استقرار اقتصادي داخلي، مما قد يولد ضغوطاً شعبية تقوض الدور الخارجي للدولة.

- التوازنات الدولية الحادة: الصراع (الصيني - الأمريكي) يضع العراق في موقف محرج، حيث يسعى للاستثمار الصيني في البنية التحتية مع الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن.

هل ينجح العراق في التحول إلى "سويسرا الشرق الأوسط"؟ المصطلح بدأ يتردد كثيراً في مراكز الأبحاث ببيروت والقاهرة وبغداد. في 2026، العراق يمتلك المقومات: موقع جغرافي فريد، موارد طبيعية ضخمة، وعلاقات متوازنة.

إن استقرار الشرق الأوسط في العقد القادم سيمر حتماً عبر بوابة بغداد. إذا استمر العراق في نهج الوساطة وبناء الجسور الاقتصادية، فإنه لن يكتفي بحماية نفسه من الصراعات، بل سيصبح المهندس الأول لنظام إقليمي جديد يعتمد على التعاون بدلاً من المواجهة.

إن التحول الذي يعيشه العراق في عام 2026 هو قصة "مرونة وطنية" مذهلة، ومن بلد كان يتصدر أخبار الحروب والدمار، إلى دولة تقود قاطرة الدبلوماسية والتنمية، إن التحدي الأكبر الآن هو الحفاظ على هذا الزخم، وتحويل "القوة الناعمة" السياسية إلى رفاهية اقتصادية يشعر بها المواطن العراقي في حياته اليومية.


اضف تعليق