اشتعلت الساحة العربية والاسلامية خلال الايام الماضية احتجاجا على قيام قوات الامن الايرانية باعتقال اية الله السيد حسين الشيرازي في تطاول جديد ضد المرجعية الدينية والحريات العامة في البلاد.

موجة الاحتجاجات شملت بلدان العراق والكويت والعاصمة البريطانية لندن، حيث كانت هذه الاخيرة هي الابرز لتكشف عن حجم الاستهداف الذي يتعرض له المطالبون بالحقوق والحريات المدنية والدينية، في ايران، كما انها ازاحت الستار الدعائي لبعض القنوات الفضائية التي طالما رفعت شعار الاستقلال والحيادية الا ان ازمة واحدة كانت كافية لتعري جسد الديكتاتوريات وحلفائها.

وحظيت هذه الاحتجاجات بتغطية اعلامية واسعة بعضها ارادت بالامة سوء من خلال تازيم الاوضاع مثلما فعل الاعلام الخليجي، فيما قامت قناة "بي بي سي" البريطانية بتبني الرواية الرسمية الايرانية التي تعمل على تشويه صورة المرجعية الشيرازية وكيل الاتهامات الباطلة لها.

في تقارير الـ"بي بي سي" تزعم القناة بان المرجعية الشيرازية قائمة على التوريث، اذ يقول احد تقاريرها ما نصه: "الشيرازية" مجموعة شيعية اثنا عشرية تنسب إلى محمد الحسيني الشيرازي، وعرف عنها توريث المرجعية بدلا من المتعارف عليه عند الاثنى عشرية، من شروط معينة لنيل درجة المرجعية، ليس من بينها التوريث".

وكأن القناة تريد القول ان المرجعية الشيرازية لا تلتزم بالمعايير الشيعية، وهو ما يعني حتما تجريدا لمقلدي المرجع الشيرازي من خط الاثنى عشرية! فاي تدخل هذا الذي وصلت اليه ماكينة الاعلام المشهود لها بتقويض الحراك المجتمعي في البلدان الاسلامية من خلال نصرة الديكتاتورية والتغطية على جرائم الانظمة الحاكمة بي المنطقة.

بمتابعة بسيطة لخطابات المرجع الشيرازي وكل رجال الدين الذين يستقون من نهل علمه، تجدهم يرفضون اي فكرة لتوريث المرجعية، كما ان هناك مجموعة من المعايير الشيعية المعروفة هي التي تحدد شخص المرجع من بينها اكماله مرحلة البحث الخارج وشهادة العلماء. هذا اذا تحدثنا عن مراحل العلمية وجوانب الاجتهاد.

اما في الشق السياسي فيقول سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في كتاب (من عبق المرجعية): الحكم في الإسلام استشاري، ويضيف سماحته في المصدر نفسه أيضا: ليس الحكم في الإسلام ملكيا وراثياً.

هذه المبادئ التي يسير عليها سماحة المرجع الشيرازي، وغيرها العشرات في مؤلفاته، لم تذكر في تقرير "بي بي سي" لا من قريب ولا بعيد، ونحن نعرف جيدا ان هذه المؤسسة الاعلامية الضاربة بالقدم لا تاخذ وجهة نظر واحدة في تقاريرها الا اذا كانت هناك مصلحة لرفع شأن طرف يخدم البريطانيين وضرب معارضيه. والسؤال يطرح الان عن المصلحة من تعتيمها على حقيقة ما تقوم به السلطات الايرانية ضد المواطنين واغتصاب الحكم بيد ثلة لا تجيد سوى فن الصراخ وشن الحروب.

وفق المعايير المهنية للاعلام، لا يمكن نشر معلومة من طرف واحد، فالصراع المجتمعي المستمر يفترض وجود طرفين او اكثر داخل القصة ما يحتم ضرورة الاستماع الى الاطراف الاخرى، والا اصبح العمل دعاية سياسية مكشوفة.

واذا ما استعرضنا وجهات النظر المختلفة فان الصراع الحقيقي الجاري بين السلطات الايرانية الحاكمة والمطالبين باسترجاع الحقوق، يتمحور حول الحرب العراقية وولاية الفقيه الاستبدادية، اما تحجيم الصراع في قضية الشعائر الدينية هو فعل تضليلي لحرف الانظار عن حقيقة الصراع.

ومن المفارقات التي لم تنشرها "بي بي سي" وتوابعها من الاعلام الايراني هو اغفالها عن حروب الفتن الجارية في الشرق الاوسط والتي تكون اجهزة النظام الايراني هي احدى اهم ادواتها، فالحرب يزعم انها تدار باسم المذهب ويقتل الشباب شمال سوريا وجنوبها باسم الدفاع عن المقدسات.

في بريطانيا كل شيء قائم على مصالحها العليا فقط، والحقوق جسر للوصول الى الغايات وفق النظرية الميكافيلية، وقناة البي بي سي خاضت حرب الدعاية خلال الحرب العالمية الثانية، واستمرت في الترويج للمصالح البريطانية دون اكتراث حتى للمباديء التي تنادي بها.

وبعد تعتيمها الاعلامي عما يجري في السعودية حليفة بريطانيا من اجراءات تعسفية داخلية وجرائم ضد الشعب اليمني، تقوم اليوم بنفس المنهج لتبرير افعال النظام الايراني عبر التغطية غير الموضوعية والاعتماد على الرواية الرسمية دون الاخذ الاعتبار وجهة النظر المعارضة وهي الاكثر اهمية اذا ما نظرنا للحراك المجتمعي الواسع. 

اضف تعليق