دعت مؤسسة الإمام الشيرازي بمناسبة شهر رمضان المبارك، إلى دعم الفقراء والمحتاجين عبر الصدقات والمساعدات، وتعزيز روح التعاون بين أفراد المجتمع

وجاء في نص رسالة المؤسسة بمناسبة حلول الشهر الكريم:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ﴾

صدق الله العلي العظيم

الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، وأوصى عباده بالتراحم والتكافل، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد واله الطيبين الطاهرين، الذين جسدوا معاني العدل والإحسان قولا وعملا، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، تتقدم مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى الأمة الإسلامية، وجميع المسلمين في كل بقاع العالم، سائلين الله تعالى أن يمن في هذا الشهر الفضيل على الانسانية بالخير واليمن والبركات والسلام والطمأنينة.

إن شهر رمضان ليس مجرد محطة زمنية تتكرر في كل عام بأجواء عبادية معينة، بل هو مدرسة إلهية تهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان روحيا وأخلاقيا، ليكون مساهما فعالاً في إصلاح المجتمع من خلال تطبيق قيم العدل والإحسان التي امر الله تعالى بها، حيث يقول تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل90، وعن الإمام علي (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ: الْعَدْلُ الْإِنْصَافُ وَالْإِحْسَانُ التَّفَضُّلُ.

لما لهما من نتائج ايجابية في نهضة الامم ورقي الحضارات الانسانية واستقامتها، وانتشار الاستقرار والامن والسلام والعطاء والانصاف بين الناس.

وكما قال المرجع الراحل الإمام السيد محمد الشيرازي (رحمه الله): "شهر رمضان بلسم يبعث الارتياح والطمأنينة إلى النفوس المعذبة والقلوب المنكسرة والأجساد المنهكة، إنه ضماد لجراحات القلب والجسد، ويخفف عنها عناء الحياة ومشاق العمل"، ففي هذا الشهر الفضيل، يجد المسلمون فرصة للرجوع إلى أنفسهم ومراجعة سلوكهم، بعيداً عن الغوص في الماديات والحياة الروتينية، من اجل الارتقاء روحياً ومعنوياً بالقيم التي تجمع بين العدل والإحسان لتحقيق مجتمع متكامل وحياة أفضل يسودها السلام والرخاء والرحمة والانسانية.

ميزان الاستقامة في بناء الأمم

إن العدل هو من القيم الجوهرية التي يقوم عليها أي مجتمع صالح، وهو الأساس الذي تعتمد عليه كافة التشريعات السماوية ومنها الشريعة الإسلامية السمحاء، لضمان حقوق الأفراد والمجتمعات، فالعدل في الإسلام لا يقتصر على القضاء والحكم بين الناس، بل يشمل جميع مجالات الحياة، بدءً من المعاملات اليومية وصولا إلى اعلى مراتب الإدارة والسياسة.

وقد أكد القرآن الكريم والسنة النبوية على أهمية العدل في مواضع عديدة، كقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، مما يدل على الارتباط الوثيق بين العدل والإحسان كقيمتين متلازمتين، لا يمكن أن يتحقق أحدهما دون الآخر، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه واله) قوله: "عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها"، كما أكد امير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: "العدل رأس الإيمان وجماع الإحسان" وقوله "العدل حياة الاحكام".

لذلك دائماً ما أكد الإمام الشيرازي في مؤلفاته ومحاضراته على ضرورة إرساء العدل كأساس للحكم الرشيد، حيث قال: "إذا ساد العدل في الأمة، تحقق الأمن والاستقرار، وإذا غاب العدل، حل الظلم والفساد، وكان ذلك سببًا في انهيار المجتمعات".

فوق العدل وأسمى مراتب الأخلاق

أما الإحسان، فهو قيمة عليا ترتفع وتتسامى فوق العدل، حيث لا يقتصر الإنسان على إعطاء كل ذي حق حقه، بل يتعدى ذلك إلى الإحسان اليه والتفضل عليه، وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي محمد (صلى الله عليه واله): "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "عليكم بالإحسان فإن الله يحب المحسنين"، وبهذا الاطلاق يظهر الإحسان في صور متعددة، منها:

1. الإحسان في العبادة: أداء العبادات بخشوع وإخلاص، كما جاء في الحديث: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

2. الإحسان في المعاملة: التحلي بالرفق والرحمة، والعفو عند المقدرة، والتجاوز والتغافل حتى عمن اساء اليك بقصد او بدون قصد.

3. الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين: من خلال التصدق عليهم ومساعدتهم وعدم نهرهم وقطع سبيل المعروف والرحمة والاحسان.

وقد اشار السيد الشيرازي الى أهمية نشر ثقافة الإحسان في المجتمع قائلاً: "إن نشر ثقافة الإحسان هو السبيل إلى القضاء على الأحقاد والضغائن، وهو العامل الأساسي في بناء مجتمع متماسك يسوده الحب والوفاء".

شهر رمضان وقيم العدل والإحسان

يجمع الدين الإسلامي بقيمه العظيمة وتعاليمه السمحاء بين العدل والإحسان بحيث يكون العدل قاعدة للحياة، والإحسان روحا تحيي العلاقات الإنسانية، فحين يكون العدل مطلوبا لضمان الحقوق، فإن الإحسان يكمل هذا العدل، فيمنح المجتمع طابع الرحمة والود والسلام.

وقد كان النبي (صلى الله عليه واله) وأهل بيته (عليهم السلام) أسمى مثال على تجسيد مظاهر العدل والإحسان، فلم يقتصر عدلهم على إعطاء الحقوق فقط، بل تعداه إلى التضحية والإحسان حتى لمن أساء إليهم وفي ذلك الكثير من الامثلة والشواهد التي يطول ذكرها.

وقال الإمام الشيرازي: "العدل يحقق الحقوق، أما الإحسان فيرفع الإنسان إلى مقام الفضيلة، ويجعل الحياة أكثر إشراقًا وسعادة".

توصيات أساسية

توصيات لاستثمار شهر رمضان لتعزيز قيم العدل والإحسان:

إن مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية تدعو الجميع إلى استثمار شهر رمضان المبارك في تعزيز قيم العدل والإحسان من خلال التوصيات التالية:

1. مراجعة النفس: استثمار هذا الشهر لمحاسبة الذات في مدى التزامنا بالعدل في علاقاتنا وأعمالنا، والعمل على إصلاح أخطائنا.

2. التكافل الاجتماعي: دعم الفقراء والمحتاجين عبر الصدقات والمساعدات، وتعزيز روح التعاون بين أفراد المجتمع.

3. إشاعة ثقافة الإحسان: نشر ثقافة التسامح، التراحم، والكلمة الطيبة بين أفراد المجتمع، والعمل على تحسين العلاقات الإنسانية.

4. تعزيز العدل والاحسان في الأسرة: معاملة الأبناء بالعدل، والإنصاف في الحقوق، واستشعار الرحمة والاحسان واشاعة جو من الود والمحبة داخل الاسرة مما يساهم في بناء فرد صالح ومجتمع متماسك وسليم.

5. العدل في العمل: احترام حقوق العمال، والحرص على الوفاء بالعهود والعقود، مما يعزز من استقرار المجتمع وصلاحه.

6. الإحسان واللين في العلاقات: الابتعاد عن الظلم والإحسان حتى لمن يسيء إلينا، فالخير يعود دائما على فاعله.

7. قراءة القرآن الكريم والتدبر فيه، فإذا عمل به الناس سعدوا في الدنيا والآخرة، وخصوصا الآيات القرانية المنسية، مثل:

- آية الشورى حيث يقول سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) فإنه يصونهم عن الوقوع في الدكتاتورية وتسلّط الظالمين.

- آية الحرية حيث يقول سبحانه: (يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) فإنه يحفظهم من الكبت والاختناق، ومن الاستغلال والعبودية، ومن التأخر والتقهقر.

- آية الأخوة حيث يقول سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فإنه يمنعهم من الاختلاف والتفرقة، ومن التنازع والمشاجرة.

- آية الأمة الواحدة، ذات البلد الواحد، والتاريخ الواحد، والعملة الواحدة، بلا حدود جغرافية، ولا حواجز نفسية، وذلك حيث يقول سبحانه: (وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) فيقوى امرهم، ويعظم خطرهم، ويهابهم أعداءهم، ولا يكونون لقمة سائغة تتلقفها الأقوياء.

- آية التعددية: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)، حيث يتنافس المؤمنون لاستجلاب النعم والخيرات عبر تكافؤ الفرص والانصاف من النفس وصولا الى التعاون على البر والتقوى.

- آية اتّباع الرسول (صلى الله عليه واله) حيث يقول سبحانه: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فيتقدموا ويسعدوا وينعموا في الدنيا والآخرة. وقد قال (صلّى الله عليه وآله) حول شهر رمضان:

(..إنّه قد أقبل إليكم شهرُ الله بالبركة والرحمة والمغفرة... هو شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعِلتم فيه من أهل كرامة الله... فإنّ الشقيّ مَنْ حُرم غفرانَ اللهِ في هذا الشهرِ العظيم، واذكروا بجوعِكم وعَطشِكم جوعَ يومِ القيامةِ وعطشَه، وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقّروا كبارَكم وارحموا صغارَكم، وصِلُوا أرحامَكم واحفظوا ألسنَتَكم، وغضّوا عمّا لا يحلّ النظرُ إليه أبصارَكم، وعمّا لا يحلّ الاستماعُ إليه أسماعَكم، وتحنّنوا على أيتام الناسِ كما يُتَحنَّنُ على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم وارفعوا إليه أيديكم بالدّعاء...).

إن شهر رمضان هو فرصة عظيمة لترسيخ قيم العدل والإحسان في النفوس، ليصبح كل فرد في المجتمع مصدر خير وعطاء وانفاق في سبيل الله، فإن كنا قد صمنا عن الطعام والشراب، فلنصم أيضا عن الظلم والجفاء والقطيعة والتنازع والصراع، ولنجعل من العدل منهجا والإحسان سلوكا واللاعنف طريقا والاحترام خلقا والنظام معيشة والتقوى وعيا راسخا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة183.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل العدل والإحسان والانصاف والمحبة والتسامح، وأن يوفقنا لاستثمار هذا الشهر الكريم بما يرضي الله سبحانه وتعالى ورسول الله صلى عليه وآله واهل بيته عليهم السلام، وكل عام وأنتم بخير.

مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية

العراق-كربلاء المقدسة

28-شعبان-1446 / 26-2-2025

ع.ع

اضف تعليق