النبأ: بعد عقود من التحديات التي عصفت بـ "بلاد الرافدين"، من حروب وجفاف وتجريف للبساتين، يشهد قطاع النخيل في العراق اليوم تحولاً استراتيجياً جذرياً. لم تعد التمور مجرد محصول زراعي تقليدي، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في خطة الحكومة لتنويع مصادر الدخل القومي بعيداً عن النفط. ومع دخول عام 2026، تكشف الأرقام والبيانات الصادرة عن وزارة الزراعة العراقية والمنظمات الدولية عن "صحوة خضراء" تهدف لإعادة العراق إلى مركزه التاريخي كأول مصدّر للتمور في العالم.

تشير أحدث إحصائيات وزارة الزراعة العراقية إلى أن عدد أشجار النخيل في البلاد تجاوز حاجز 22 مليون نخلة مع مطلع عام 2026، بعد أن كان قد تراجع إلى قرابة 12 مليوناً في سنوات سابقة. هذه الزيادة ليست مجرد أرقام، بل هي نتاج "البرنامج الوطني لتأهيل وتنمية النخيل" الذي أطلقته الدولة.

في عام 2024، حقق العراق طفرة بتصدير أكثر من 700 ألف طن من التمور إلى أسواق عالمية متنوعة تشمل الهند، الإمارات، المغرب، وتركيا، بالإضافة إلى دول أوروبية وأمريكا الشمالية. وتطمح الخطة التشغيلية لعام 2026 إلى تجاوز حاجز الـ 800 ألف طن من الصادرات، مع التركيز على تحويل التمور من "مواد خام" إلى "منتجات مصنعة" ذات قيمة مضافة عالية.

الفسائل النسيجية والري الحديث

تعتمد الاستراتيجية الحالية على "التحديث التقني" لمواجهة شح المياه وتغير المناخ. وفي خطوة نوعية، تعاقدت وزارة الزراعة مع شركات عالمية رصينة (من بينها شركة بريطانية متخصصة) لإنتاج وتوريد الفسائل النسيجية عالية الجودة.

• التركيز ينصب على إكثار أصناف مثل "المجهول" و"البرحي" و"الساير" و"المكتوم"، وهي أصناف تحظى بطلب عالمي مرتفع وأسعار تنافسية.

• لم يعد مسموحاً في البساتين الحديثة استخدام الري السيحي التقليدي؛ حيث اشترطت الوزارة اعتماد منظومات الري بالتنقيط لترشيد استهلاك المياه، وهو ما ساهم في استصلاح مساحات شاسعة في عمق البادية والمناطق الصحراوية (خاصة في كربلاء والنجف والمثنى.

وتحول قطاع التمور في 2026 إلى "مغناطيس" للاستثمارات المحلية والأجنبية. وتطرح الحكومة العراقية حالياً فرصاً استثمارية كبرى تشمل:

1. إنشاء مصانع لإنتاج (السكر السائل، الدبس، الكحول الطبي، وخل التمور) بدلاً من تصدير التمور بأسعار زهيدة كعلف للحيوانات.

2. تطوير مخازن مبردة وخطوط تغليف وتعبئة تلتزم بالمعايير الدولية (ISO) مما يرفع قيمة الطن الواحد في السوق العالمي بنسبة تصل إلى 40%.

3. منحت هيئة الاستثمار مساحات شاسعة لشركات القطاع الخاص لإنشاء مزارع نموذجية تضم كل منها أكثر من 100 ألف نخلة، مجهزة بأحدث تقنيات المراقبة عبر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي لمكافحة الآفات مثل "الدوباس" وسوسة النخيل الحمراء.

رغم النجاحات، لا يزال التغير المناخي يمثل التحدي الأكبر. ويؤكد الخبراء أن العراق يواجه هذا التحدي عبر "الزراعة الذكية"، حيث يتم اختيار أصناف أكثر تحملاً للملوحة والجفاف. كما ساهم القرار الحكومي رقم (50) لسنة 2016، والقاضي بمنع تجريف البساتين وتحويلها إلى أراضٍ سكنية، في حماية الغطاء النباتي المتبقي ومنح فرصة لإعادة إحياء البساتين المهملة.

رؤية مستقبلية 2030

يؤكد المسؤولون في وزارة الزراعة أن الهدف ليس فقط زيادة الإنتاج، بل استعادة "العلامة التجارية" للتمور العراقية. فالعراق يمتلك أكثر من 600 صنف، وهو تنوع لا يملكه أي بلد آخر. ومع استمرار وتيرة العمل الحالية، من المتوقع أن تصل عائدات التمور لتكون الرافد الثاني للميزانية بعد النفط خلال العقد القادم، مما يحقق أمناً غذائياً واستقراراً اقتصادياً لآلاف العائلات العراقية.

رحلة إعادة إحياء "نخلة العراق" هي رحلة لاستعادة الهوية الوطنية بقدر ما هي مشروع اقتصادي. وبحلول نهاية عام 2026، ومع اكتمال العديد من مشاريع الري والفسائل النسيجية، سيكون العراق قد قطع شوطاً كبيراً في العودة إلى "نادي الكبار" في سوق الغذاء العالمي، معلناً أن الذهب البني العراقي عاد ليشرق من جديد.

ع ع


اضف تعليق