أثار قرار الحكومة العراقية المتعلق بشمول منظمات المجتمع المدني بالتحاسب الضريبي جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والاقتصادية، في وقت تؤكد فيه منظمات غير حكومية أنها تعاني من ضائقة مالية قد تهدد استمرار برامجها الإنسانية والتنموية.
وأعرب مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية عن استغرابه من هذا التوجه، مبينًا أن القرار يأتي في وقت تواجه فيه العديد من المنظمات شحًا ماليًا وصل إلى حد العجز عن تنفيذ أنشطتها. وأشار المركز إلى كتاب صادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 30 آذار 2026، تضمّن مصادقة رئيس مجلس الوزراء على توصيات تتعلق بالتحاسب الضريبي للمنظمات غير الحكومية، من بينها استحداث شعبة أو قسم خاص في الهيئة العامة للضرائب لتولي هذا الملف.
وأكد المركز أن هذا الإجراء يتعارض – بحسب رأيه – مع قانون المنظمات غير الحكومية رقم 12 لسنة 2010، الذي ينص على أن تمويل هذه المنظمات يعتمد على التبرعات والمنح واشتراكات الأعضاء، دون الإشارة إلى أي نشاط تجاري يخضع للضريبة، مشددًا على أن طبيعة هذه المنظمات غير ربحية ومستقلة وتهدف إلى خدمة المصلحة العامة وحماية الحقوق.
وحذر المركز من أن تطبيق هذا القرار قد يؤدي إلى زيادة الأعباء المالية على المنظمات ويقيد عملها بشكل كبير، داعيًا الحكومة إلى إعادة النظر فيه وإلغائه، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
في المقابل، أوضح عضو اللجنة المالية النيابية السابق معين الكاظمي أن النظام الضريبي الجديد الذي تعمل عليه الحكومة يهدف إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية، مبينًا أن العراق يعتمد بنسبة تصل إلى 90% على النفط، وهو ما يستوجب تنويع مصادر الدخل لتفادي أي أزمات مستقبلية مرتبطة بتقلبات أسعار النفط.
وأضاف الكاظمي أن الحكومة تراهن على تطوير عمل الهيئة العامة للضرائب ضمن نظام الأتمتة الجديد، بهدف رفع كفاءة الجباية ومكافحة الفساد الإداري، مشيرًا إلى أن المستهدف من الإيرادات الضريبية قد يصل إلى نحو 20 تريليون دينار سنويًا من مختلف المصادر، بما في ذلك الكمارك والرسوم والخدمات العامة.
وأكد في الوقت نفسه أن هذه السياسة قد تنعكس على المواطنين من خلال ارتفاع الأسعار، خاصة في ما يتعلق بالضرائب المفروضة على الاستيراد، مقابل تحقيق جانب إيجابي يتمثل في تعزيز قدرة الدولة المالية.
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطوان أن الضرائب تمثل أداة أساسية لتمويل الدولة إلى جانب الرسوم والكمارك، مشددًا على أهمية تحقيق العدالة الضريبية بحيث تتناسب الضريبة مع مستوى الدخل، وبما يضمن تعزيز ثقة المواطن بالنظام الضريبي.
وأشار أنطوان إلى أن النظام الضريبي العادل يجب أن يحقق التوازن بين تمويل الدولة وتوفير الخدمات للمواطنين، مع مراعاة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين فئات المجتمع.
وفي سياق متصل، تناول الكاتب والصحفي محمد علي فياض في مقال له السياسات الضريبية الجديدة في العراق، معتبرًا أنها تأتي ضمن محاولة الحكومة معالجة الأزمة المالية الناتجة عن الاعتماد الكبير على النفط وضعف الإيرادات غير النفطية.
وأوضح فياض أن توسيع نطاق الضرائب ليشمل منظمات المجتمع المدني يثير إشكالية قانونية واقتصادية، نظرًا لطبيعة هذه المنظمات غير الربحية واعتمادها على التمويل الخارجي لتنفيذ مشاريع إنسانية وتنموية.
وتساءل الكاتب عن إمكانية تطبيق نفس القواعد الضريبية المطبقة على الشركات التجارية على كيانات ذات طابع إنساني، مشيرًا إلى أن غياب التمييز بين النشاط الربحي وغير الربحي قد يخلق حالة من عدم الوضوح في السياسة الضريبية.
وختم فياض بالقول إن فرض الضرائب على منظمات المجتمع المدني يمثل جزءًا من أزمة اقتصادية أوسع تتعلق بإعادة هيكلة النظام المالي في العراق، محذرًا في الوقت نفسه من أن التطبيق غير المدروس قد يؤدي إلى إضعاف قطاع مهم يسهم في سد فجوات الخدمات العامة.
وبين مؤيدين يرون في القرار خطوة نحو الإصلاح المالي، ومعارضين يحذرون من تداعياته على العمل المدني، يبقى التحدي الأبرز أمام الحكومة هو تحقيق توازن دقيق بين تعزيز الإيرادات العامة وحماية الدور الحيوي لمنظمات المجتمع المدني.
س ع



اضف تعليق