خاص _النبأ
تتحول أزمة غاز الطهي في العراق تدريجياً من مشكلة خدمية مؤقتة إلى أزمة معيشية واجتماعية متصاعدة، مع استمرار شح الإمدادات وامتداد طوابير الانتظار أمام محطات التوزيع، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الشعبية للإجراءات الحكومية التي وصفت بأنها عاجزة عن معالجة جذور الأزمة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت بغداد وعدد من المحافظات، بينها كربلاء وبابل، ازدحاماً واسعاً أمام منافذ بيع الغاز، حيث يقف المواطنون لساعات طويلة للحصول على أسطوانة واحدة، بينما يعود كثيرون من دون تلبية احتياجاتهم اليومية.
طوابير طويلة ومشهد يومي مرهق
وبات مشهد الطوابير الطويلة أمام محطات التوزيع جزءاً من الحياة اليومية في عدد من المدن، إذ يؤكد مواطنون أن الانتظار قد يمتد لأكثر من ست ساعات، من دون ضمان الحصول على الغاز.
ويرى متابعون، أن الأزمة تفاقمت منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من اضطراب في الإمدادات وتراجع تدريجي بالكميات المتوفرة محلياً، قبل أن تتسع الفجوة بين الطلب والعرض بشكل أكبر خلال الأيام الماضية.
وفي محاولة لتنظيم التوزيع، اعتمدت الجهات المعنية آلية تمنح كل عائلة أسطوانة أو أسطوانتين خلال فترة زمنية محددة، غير أن هذه الخطوة لم تنجح في تهدئة الشارع، بسبب عدم توفر الكميات الكافية أصلاً، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى نقاط التوزيع.
كما أثار فرض أجهزة إلكترونية على بعض الوكلاء لتنظيم البيع جدلاً واسعاً، بعد تداول معلومات عن تحميل الوكيل غرامات مالية مرتفعة في حال فقدان الجهاز، ما فتح باب التساؤلات بشأن طبيعة العقود والجهات المستفيدة من هذه الإجراءات.
المختار في الواجهة.. والقرار غائب
وأظهرت الأزمة دور المختارين في الأحياء السكنية كحلقة وصل بين المواطنين والجهات الموزعة، حيث تولى كثير منهم تنظيم القوائم والإشراف على وصول الحصص إلى السكان.
لكن ناشطين أكدوا أن تحميل المختار مسؤولية الأزمة أمر غير منصف، باعتباره لا يملك صلاحيات تنفيذية أو قراراً يتعلق بالتجهيز، بينما تبقى الجهات الرسمية صاحبة القرار بعيدة عن المواجهة المباشرة مع المواطنين.
ومع تفاقم النقص، خرجت احتجاجات متفرقة في بعض المحافظات، تخللها قطع طرق وإحراق إطارات، احتجاجاً على شح الغاز وارتفاع الأسعار.
في المقابل، انتعشت السوق السوداء بشكل لافت، إذ ارتفع سعر الأسطوانة إلى نحو 20 ألف دينار في بعض المناطق، ما زاد الأعباء على العائلات محدودة الدخل، ودفع بعض الأسر إلى استخدام بدائل بدائية للطهي مثل الحطب أو الوقود السائل، رغم ما تحمله من مخاطر صحية وبيئية.
مفوضية حقوق الإنسان تدخل على الخط
وفي كربلاء، باشرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان تحركاً ميدانياً لتقصي الحقائق بشأن الأزمة، عبر زيارة معمل الغاز الحكومي ومتابعة آليات التوزيع، حيث رصدت طوابير طويلة وشكاوى تتعلق بعدالة توزيع الحصص.
كما دعت المفوضية إلى تشديد الرقابة على المتلاعبين بالأسعار، وزيادة الحصة المخصصة للمحافظة، بما يضمن حصول المواطنين على الخدمة الأساسية دون عناء.
في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الوضع تحت السيطرة، مشيرة إلى أن أسباب الأزمة تعود إلى انخفاض الإنتاج المحلي وتأثير الاضطرابات الإقليمية، مع العمل على تعزيز الاستيراد وتنظيم التوزيع.
غير أن هذه التطمينات لم تنعكس ميدانياً حتى الآن، في ظل استمرار الطوابير وتصاعد الغضب الشعبي، ما يجعل أزمة الغاز اختباراً جديداً لقدرة الحكومة على إدارة الملفات الخدمية الحساسة.
أزمة خدمات أم أزمة ثقة؟
ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة دون حلول واضحة قد يحولها من أزمة تموينية مؤقتة إلى أزمة ثقة أعمق بين المواطن ومؤسسات الدولة، خصوصاً مع شعور الشارع بأن الأعباء تتكرر في كل أزمة، بينما تبقى المعالجات مؤقتة وردود الأفعال بطيئة.
م.ال



اضف تعليق