بغداد/النبأ: في مؤشر اقتصادي مفاجئ، تُظهر البيانات الرسمية أن معدل التضخم السنوي في العراق انخفض إلى مستويات منخفضة للغاية في 2025، مقارنة بالسنوات السابقة، وهي حقيقة تبدو إيجابية على الورق، لكنها لا تنعكس بوضوح على الواقع المعيشي للمواطنين.

بحسب وزارة التخطيط العراقية، تراجع معدل التضخم بنسبة 1.2% في ديسمبر 2025 مقارنة بنفس الشهر من 2024، فيما يقول بعض تقارير صندوق النقد الدولي إن معدل التضخم السنوي وصل إلى نحو 1.5% بحلول نهاية 2025، وهو من بين الأدنى في المنطقة.

وبالرغم من هذا الاستقرار الظاهري في الأسعار، يواجه العراقيون ضغوطاً ميدانية في حياتهم اليومية.

دخل محدود

تشير بيانات من مواقع قياس تكلفة المعيشة، مثل موقعLivingcost، إلى أن متوسط الراتب الشهري بعد الخصومات لا يتجاوز نحو 513 دولاراً في العراق، بينما تكلفة المعيشة الشهرية مع الإيجار قد تصل إلى نحو 768 دولاراً للفرد.

وفي بيانات محلية أخرى، يُظهر أن متوسط الرواتب في العراق يقل عن 750 ألف دينار عراقي شهرياً (بما يقرب من 513-600 دولار، حسب سوق الصرف الفعلي)، وهو دخل يفترض أن يغطي احتياجات الأسرة الأساسية، لكنه يفعل ذلك بصعوبة عند مقارنته بتكاليف الإيجار والخدمات الأساسية.

تضارب بين الأرقام والواقع

هل انخفاض نسبة التضخم يعني تحسناً في القوة الشرائية؟

ليس بالضرورة.

في حين أن الرقم الرسمي للتضخم منخفض، فإن المواطنين يشيرون إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات الأساسية في الأسواق المحلية، وخاصة السلع الغذائية وأسعار المواصلات والخدمات المنزلية، ما يشعر المواطن بأن الأسعار "لا تعكس الواقع."

هذه الظاهرة يمكن أن تفسر بأنها "تصلّب سعري"، أي أن الأسعار ترتفع بسرعة عندما تتدهور الظروف الاقتصادية، لكنها لا تنخفض بنفس الوتيرة عندما تتحسن المؤشرات الكلية.

ضعف الرقابة، تعدد الوسطاء في السوق، واعتماد كبير على الاستيراد كلها عوامل تجعل الأسعار أكثر حساسية لتكاليف الاستيراد والتوزيع من مجرد التضخم العام.

عبء غير واضح

بينما يغطي الرقم الرسمي للتضخم الزيادة في أسعار السلع والخدمات بشكل عام، فإن التكاليف الفعلية للخدمات الأساسية تظل عبئاً إضافياً على الأسر: فاتورة الكهرباء والماء والإنترنت لشقة صغيرة تُقدّر بنحو 150 ألف دينار شهرياً (ما يعادل حوالي 103 دولارات)، وفق مصادر محلية.

المواصلات العامة الشهرية قد تكلف الفرد ما بين 30–40 دولاراً إضافياً شهرياً.

هذه المصاريف تُضاف إلى حسابات الأسر بصورة مباشرة، وتُقلّص هامش الإنفاق على التعليم والعلاج والاحتياجات الأساسية الأخرى.

تضخم منخفض… كلفة أعلى

يُبين هذا التناقض أن معدل التضخم العام لا يعكس بالضرورة تكلفة حياة المواطن اليومية في العراق. الأرقام الرسمية تشير إلى استقرار نسبي في أسعار المستهلكين، لكن ذلك لا يعني أن السلة الاستهلاكية الكاملة للمواطن -بما فيها الكُلف الخفية مثل الكهرباء والماء والنقل- أصبحت أرخص أو أكثر قدرة على الامتلاء لميزانية الأسرة.

تبقى المعضلة الأساسية أن الرقم الرسمي للتضخم والتقديرات الدولية لا يكفيان لوصف الواقع المعيشي للعراقيين. انخفاض التضخم العام ربما يشير إلى استقرار نسبي في مستوى الأسعار، لكنه لا يغيّر حقيقة أن الدخل الفعلي لا يغطي تكاليف الحياة اليومية الأساسية. وبينما تبدو المؤشرات الكلية مطمئنة، يبقى السؤال حول ما إذا كانت السياسات الاقتصادية قادرة على معالجة فجوة الدخل مقابل تكلفة المعيشة بشكل ملموس.

اضف تعليق