بينما تنشغل غرف العمليات في واشنطن وطهران بحسابات الردع والردع المقابل، يجد الشارع العراقي نفسه يسدد فاتورة صراع لم يمنحه حق التصويت على خياراته.
وفي قراءة تحليلية معمقة وضعتها (وحدة الترجمة في ملتقى النبأ للحوار) بين يدي القارئ العربي، نقلاً عن زميل البحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى معهد "تشاتام هاوس" حيدر الشاكري، تبدو الصورة القادمة من بغداد وأربيل أكثر قتامة مما تنقله بيانات الاستنكار الدبلوماسية؛ حيث يرى الشاكري أن الانخراط القسري للعراق في هذا النزاع الإقليمي لم يهتك سيادة الأجواء فحسب، بل ضرب "العصب الحي" لمعيشة ملايين الأسر التي باتت تراقب بقلق مصير رواتبها ومدخراتها المتبخرة تحت وطأة التضخم.
وتؤكد معطيات التقرير التي استعرضتها وحدة الترجمة، أن الاقتصاد العراقي الذي يعيش على "جهاز تنفس" نفطي بنسبة تتجاوز التسعين بالمئة، بات مهدداً بالسكتة القلبية نتيجة اضطراب الملاحة في الخليج وإعلان حالة "القوة القاهرة" في بعض الحقول النفطية.
ويشير الباحث في ثنايا تحليله المنشور لدى "تشاتام هاوس" إلى أن هذا الانسداد الملاحي لم يوقف تدفق الخام فحسب، بل أدى لقفزة جنونية في أسعار الغذاء بنسبة خمسة وعشرين بالمئة، تزامناً مع تدهور الدينار في السوق السوداء ليصل إلى عتبة 1550 مقابل الدولار، مما وضع الطبقات الهشة أمام اختبار وجودي بين مطرقة الحرب وسندان الفقر.
ولا تتوقف تحذيرات الشاكري عند حدود المال، بل تمتد لتشمل "أزمة الطاقة" التي يصفها بأنها الوجه الأكثر قسوة للحرب داخل بيوت العراقيين؛ ففي ظل الاعتماد البنيوي على الغاز المستورد، أدى الهجوم الإسرائيلي على حقل "بارس الجنوبي" الإيراني في مارس 2026 إلى تجفيف إمدادات الغاز العراقية جزئياً، مما ترك الشبكة الوطنية في حالة "احتضار تقني" مع اقتراب فصل الصيف.
ويرى الباحث أن الفجوة الهائلة بين الإنتاج والطلب المتوقع، والتي قد تصل لسبعة وخمسين جيجاوات، تجعل من انقطاع التيار الكهربائي "قنبلة موقوتة" قد تفجر احتجاجات شعبية تتجاوز في زخمها المطالبات التقليدية بالخدمات لتطال شرعية النظام السياسي برمته.
وفي ختام رؤيته التحليلية، يشدد حيدر الشاكري على أن الاختبار الحقيقي لبغداد اليوم ليس في التصريحات السياسية، بل في القدرة على حماية "الإنسان العادي" من تحمل عبء الأزمة مرة أخرى.
ويخلص التقرير الذي تضعه وحدة الترجمة في ملتقى النبأ أمام صانع القرار، إلى أن استعادة التوازن تتطلب حلولاً إبداعية عاجلة لحماية الرواتب، وتأمين مسارات تجارية بديلة عبر الأردن وتركيا، قبل أن تؤدي "نيران الجيران" إلى إحراق ما تبقى من عقد اجتماعي هش بين الدولة ومواطنيها.



اضف تعليق