من دون تمهيد سياسي طويل أو نقاش علني واسع، وجدت بغداد نفسها فجأة في قلب واحد من أعقد الملفات الأمنية الدولية، بعد إعلان نيتها نقل معتقلي تنظيم داعش من شمال شرقي سوريا إلى الأراضي العراقية. خطوة وُصفت رسمياً بأنها إجراء استباقي فرضته تسارعات المشهد السوري، لكنها عملياً كشفت حجم الضغوط الدولية، والانقسام في المواقف العالمية، وحدود قدرة العراق على تحمّل إرث ثقيل تتهرب منه عواصم كثيرة منذ سنوات.
ورغم أن الحكومة العراقية قدّمت القرار على أنه نابع من ضرورات أمنية ملحّة، فإن الإعلان الأميركي سبق بغداد هذه المرة، حين أكدت القيادة المركزية الأميركية بدء عمليات النقل، فاتحة الباب أمام تساؤلات عميقة حول المسؤولية، وحدود الدور العراقي، وما إذا كانت البلاد تتجه لتحمّل ملف دولي شائك يتجاوز قدراتها الأمنية والقضائية في مرحلة حساسة.
ونقلت رويترز في الـ30 من يناير عام 2026 أن وتيرة النقل تباطأت وأن عدد المنقولين حتى ذلك التاريخ بقي أقل من 500، وتحدثت عن تركيبة تضم نحو 130 عراقياً ونحو 400 أجنبي، وربطت التباطؤ بطلب عراقي يمنح وقتاً لتوسعة قدرات الاحتجاز وفتح محادثات لإعادة رعايا الدول إلى بلدانهم.
من يتحمل المسؤولية؟
في السياق، قال أستاذ العلوم السياسية سليم المالكي "من أكبر المشكلات التي قد تواجه العراق انقسام المواقف الدولية، بخاصة في أوروبا، بين دول تتردد في استعادة مواطنيها المتهمين ودول تفضل إبقاء العبء خارج حدودها، وهو ما يربك بغداد ويضاعف الضغط على مؤسساتها الأمنية والقضائية. إن قرار النقل، وإن جاء بطلب من بغداد، وبموافقة التحالف الدولي والحكومة السورية، أي أن العراق كان طرفاً فاعلاً، إلا أنه في الوقت نفسه تورط، بمعنى تحمل عبء ملف دولي تهربت منه دول كثيرة سنوات، وهذا ظهر فوراً عبر طلب بغداد بإعادة الرعايا، ثم إبطاء النقل بسبب ضغط القدرة الاستيعابية".
يقدر عدد المحتجزين في شمال شرقي سوريا بنحو 35 ألف معتقل، موزعين على ما يقارب 27 موقعاً، وتخضع هذه المواقع لإدارة جهات فاعلة متعددة تشمل "قوات سوريا الديمقراطية" والقوات الأمنية التابعة لها، إضافة إلى جناحها المدني المتمثل في الإدارة الديمقراطية الذاتية لشمال وشرق سوريا. ويعكس هذا التعدد في الجهات المشرفة تعقيد البنية الإدارية والأمنية لملف الاحتجاز في المنطقة، ووفقاً لآخر بيانات أتيحت حول هذه المواقع ونشرت في أواخر عام 2024، كان ما يقارب 9 آلاف مسلح من تنظيم "داعش"، معظمهم من الذكور، محتجزين في 25 مركز احتجاز.
بحسب المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والمخدرات، تدير "قوات سوريا الديمقراطية" وقوات الأمن التابعة لها، بما في ذلك وحدات حماية المرأة وقوات الأمن الداخلي، 15 مركزاً، في حين تتولى إدارة الشؤون الخارجية والداخلية والإسكان الإشراف على 10 مراكز أخرى، من بينها مركزان مخصصان لإعادة تأهيل الشباب.
وتشير المعطيات إلى أن الغالبية العظمى من المحتجزين في هذه المراكز هم من الرجال البالغين، إلى جانب نحو 1000 فتى مراهق أو شاب صنفوا في الأصل كقاصرين، إضافة إلى 100 امرأة، بعضهن محتجزات مع أطفالهن، مما أثار انتقادات حقوقية واسعة لسياسة احتجاز القاصرين في مرافق من هذا النوع. ويشكل السوريون معظم عدد المحتجزين، إلى جانب بضع مئات من العراقيين ونحو 2000 شخص من جنسيات أخرى.
وقد سجل تراجع ملاحظ في أعداد العراقيين المحتجزين منذ عام 2021، نتيجة الجهود المتواصلة التي تبذلها الحكومة العراقية لإعادتهم لأراضيها. ففي أغسطس (آب) عام 2025، أعلنت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" أن العراق نجح في إعادة أكثر من 25 ألف مواطن عراقي، أي ما يقارب 80 في المئة من معسكري احتجاز الهول والروج في شمال شرقي سوريا.
انقسام المواقف الدولية
وظهرت دعوة بغداد للدول كي تستعيد رعاياها من بين محتجزي "داعش" عبر قنوات رسمية خلال الأيام الماضية، وفق بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عقب اتصال هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، طرحت دعوة موجهة إلى دول الاتحاد الأوروبي لتسلم مواطنيها المنقولين إلى السجون العراقية ومتابعة ملفاتهم قضائياً، وفي لقاء منفصل مع المسؤول الأممي أتول خاري، وصفت خطوة نقل المحتجزين إلى العراق بأنها إجراء موقت، مع تكرار الدعوة إلى الدول المعنية كي تستعيد رعاياها وتعرضهم على القضاء، وبعد ذلك جاءت صيغة مشابهة من وزارة الخارجية العراقية عبر هشام العلوي، وكيل الوزارة لشؤون التخطيط السياسي، حين قال في تصريحات إن العراق يحث منذ سنوات الدول الأجنبية على تحمل مسؤولياتها عبر إعادة مواطنيها والتعامل معهم وفق قوانينها، مع إشارة إلى أن بعض الدول بادرت فيما بقيت دول أخرى من دون استجابة لطلبات بغداد.
تحديات قدرة السجون العراقية واستيعابها
وكان مجلس الأمن، قد أصدر عام 2017، قراراً يدعو إلى إعادة رعايا الدول الأجنبية الذين انضموا للتنظيم في المخيمات لبلدانهم، ومحاكمتهم ودمجهم في مجتمعاتهم الأصلية، مشدداً على عدم ترك المقاتلين الأجانب في مناطق نزاع غير مستقرة، لأن ذلك يشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين، وعلى رغم صدور هذا القرار، فإن عدداً من الدول لم تطبقه بالصورة المطلوبة.
ورأى أستاذ العلوم السياسية المالكي أن نقل المعتقلين لا يمثل حلاً نهائياً بقدر ما يعكس محاولة لإدارة الملف في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، وسط تحديات حول قدرة السجون العراقية على الاستيعاب، وأمن عمليات النقل، فضلاً عن احتمالات انتقال التهديد من الساحة السورية إلى الداخل العراقي، وفي ظل غياب التنسيق الدولي على مسار العدالة الجنائية، قد تجد بغداد نفسها أمام أحكام قاسية تفتح باب اعتراضات حقوقية ودبلوماسية في وقت واحد.
وكيل وزارة الخارجية العراقية هشام العلوي قال في تصريح رسمي "إن وزارة الخارجية العراقية ستحيل عناصر تنظيم داعش الذين نقلوا إلى العراق للقضاء في حال ثبوت تورطهم في جرائم ارتكبت داخل الأراضي العراقية، وفق القوانين المحلية النافذة"، وأوضح أن من لا تثبت إدانتهم ستتخذ في حقهم إجراءات نقل إلى مراكز التأهيل، مع دراسة أوضاعهم بصورة فردية.
وأعلنت وزارة الداخلية العراقية أن نقل محتجزي "داعش" من مراكز الاحتجاز في شمال شرقي سوريا إلى العراق سيتم على مراحل وبإجراءات تدقيق، مع توزيعهم على مرافق، وصفتها بالقصوى تحصيناً، في محافظات عدة، بينها سجن الناصرية المركزي المعروف بـ"الحوت"، وسجون بابل في الحلة، ومراكز محصنة في نينوى.
في موازاة ذلك، أفادت "رويترز" بأن المسؤولين العراقيين يتجهون إلى فصل القيادات المصنفة عالية الخطورة في مرفق عالي التحصين قرب مطار بغداد الدولي كان مستخدماً سابقاً من القوات الأميركية، وتأتي هذه الاستعدادات في وقت تشير فيه بيانات حكومية إلى اكتظاظ منظومة السجون، إذ قال وزير العدل خالد شواني إن 31 سجناً يضم نحو 65 ألف نزيل في مقابل طاقة تصميمية تقارب نصف ذلك.
ائتلاف القانون يرفض الخطوة
اتخذت الحكومة في البداية احتياطات ميدانية واضحة، من تعزيز انتشار الجيش على الحدود، إلى إقامة سياج وإجراءات ضبط إضافية، ثم انتقلت لاحقاً إلى نقل المحتجزين من شمال شرقي سوريا إلى الداخل العراقي. وقال سليم المالكي إن "هذه الحركة تكشف عن أن التحصينات وحدها لم تمنح صانعي القرار في العراق طمأنينة كاملة، كما أن هاجس الانفلات الأمني ظل حاضراً، مضيفاً "بعض المسؤولين يذهبون لما جرى عام 2022 حين تعرض سجن غويران في شمال سوريا لهجوم واسع من أجل تهريب سجناء، واعتبر نموذجاً لما يمكن أن يسببه أي فراغ أو تراخ في الحراسة، لكن تتضخم المخاوف في العراق لهذه الخطوة لأن البلد عانى طويلاً من هجمات داعش"، وبين المالكي أن الحكومة مطالبة بحماية أمنها الداخلي، وتحمل تبعات ملف دولي تتهرب منه عواصم عديدة، مع إبقاء باب القضاء مفتوحاً، وفق إجراءات تضمن المحاكمة العادلة وتقلص فرص تحويل السجون إلى نقطة توليد جديدة للتطرف.
وعلى رغم تحيات وتقدير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، واعتباره مبادرة العراق في التعاون، تسهم في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، وتشديده على أهمية الخطوة وحاجة الملف إلى دعم دولي لمنع اتساع تهديد الإرهاب، إلا أن الخطوة نفسها، لقيت رفضاً كبيراً من الوسط السياسي العراقي، فقد أعلن ائتلاف "دولة القانون" بزعامة المرشح لرئاسة الوزراء نوري المالكي، اعتراضه على موافقة الحكومة العراقية على قبول نقل السجناء من سوريا إلى العراق، وسجلوا اعتراضهم في جلسة البرلمان، إضافة إلى نواب ووزراء آخرين.



اضف تعليق