يواجه المشهد الأمني في العراق تعقيداً متزايداً مع تصاعد وتيرة الاستهدافات التي تطال مواقع الفصائل المسلحة، في ظل ترابط جغرافي حساس يربط بين خطوط الإمداد ومناطق الانتشار، ضمن سياق أوسع من التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وتعكس التطورات الأخيرة تحولاً نوعياً في طبيعة الضربات، حيث لم تعد تقتصر على أهداف متفرقة، بل باتت تركز بشكل واضح على ممرات لوجستية حيوية تُعد شرياناً رئيسياً لربط الفصائل داخل العراق وخارجه.
وفي هذا السياق، أشار المحلل عبد القادر عراضة، خلال مداخلة تلفزيونية، إلى أن من أبرز هذه الضربات استهداف مستوصف عسكري داخل قاعدة الحبانية غرب بغداد، ما أدى إلى مقتل 7 جنود عراقيين وإصابة 13 آخرين، في تصعيد لافت يطال مواقع حساسة.
وتُعد قاعدة الحبانية، الواقعة على بعد نحو 90 كيلومتراً من العاصمة، واحدة من أبرز النقاط التي شهدت تصعيداً ملحوظاً، بالتزامن مع تزايد الهجمات على مواقع الحشد الشعبي في عدة محافظات.
وامتدت رقعة الاستهدافات لتشمل مناطق متعددة، من بينها جرف الصخر في محافظة بابل، ومواقع في صلاح الدين مثل اللواء 15، إضافة إلى اللواء 31 في تكريت، فضلاً عن ضربات في الموصل، ما يعكس اتساع نطاق العمليات وتعدد محاورها.
كما لم تقتصر الهجمات على الداخل العراقي، إذ طالت أيضاً مطار أربيل، حيث تحدثت تقارير عن استهداف مواقع يُعتقد بوجود قوات أمريكية فيها، في مؤشر على ترابط الساحة العراقية مع مسارات المواجهة الإقليمية.
وفي العاصمة بغداد، تواصلت الضربات التي استهدفت مراكز دعم لوجستي قرب المطار الدولي، إلى جانب قصف في منطقة السيدية، فيما برز استهداف أحد قادة عمليات الأنبار في الحشد الشعبي كأحد التطورات النوعية في هذا التصعيد.
من جانبه، وضع الخبير العسكري العقيد الركن نضال أبو زيد هذه التطورات ضمن إطار إستراتيجي أوسع، موضحاً أن قاعدة الحبانية تحولت من منشأة تقليدية إلى مركز لإدارة العمليات للفصائل في غرب البلاد.
وأشار إلى أن الفصائل المستهدفة أعادت ترتيب صفوفها بالتزامن مع تصاعد التوتر مع إيران، ومن بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء ولواء أبو الفضل العباس.
وبيّن أبو زيد أن أهمية الضربات تكمن في تركيزها على ممر بري إستراتيجي يمتد من ديالى مروراً بجرف الصخر وبغداد وصولاً إلى الحدود العراقية السورية، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً لاستهداف بنية الإمداد بدلاً من المواقع الثابتة فقط.
وأضاف أن هذا الممر لا يمثل مجرد خط انتشار، بل يشكل رابطاً لوجستياً بين الفصائل في العراق ونظيراتها في سوريا، ما يجعله هدفاً رئيسياً في بنك الأهداف الحالي. كما لفت إلى وجود ممر آخر يربط ديالى بالحبانية فالرمادي وصولاً إلى البوكمال، ما يعزز فرضية السعي لقطع خطوط الدعم.
وفي تفسيره لتحليق الطيران الأمريكي على ارتفاعات منخفضة، أوضح أبو زيد أن ذلك يعود إلى غياب منظومات دفاع جوي فعالة، مما يمنح الطيران حرية حركة واسعة، خاصة أن قدرات الفصائل في هذا المجال لا تشكل تهديداً حقيقياً للطائرات الحربية.
بالتوازي مع ذلك، تحاول الحكومة العراقية احتواء التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة، وسط مؤشرات على رغبة رسمية في ضبط المشهد الأمني رغم استمرار الضربات.
ويأتي هذا التصعيد في ظل تطورات إقليمية أوسع، أبرزها التوتر بين إيران وإسرائيل، حيث تشير المعطيات إلى توجه نحو نمط "حرب الاستنزاف" القائمة على ضربات محدودة لكنها مستمرة، بهدف تحقيق ضغط طويل الأمد دون الوصول إلى حرب مفتوحة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن العراق يتجه ليكون ساحة محورية في هذا الصراع، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الإستراتيجية، لتحدد ممرات الإمداد وخطوط الاشتباك ملامح المرحلة المقبلة.
المصدر : وكالات
س ع



اضف تعليق