لم تعد قوة الدول تُقاس اليوم بترساناتها العسكرية أو نواتجها المحلية فحسب، بل أيضًا بمدى قدرتها على توفير بيئة مناسبة للحياة.

ومن هنا يبرز "مؤشر الأداء البيئي" (EPI) بوصفه مرآة تكشف مدى نجاح الحكومات في مواجهة أبرز تحديات العصر، من التلوث إلى تغيّر المناخ.

ويُعدّ هذا المؤشر أداة عالمية لقياس مستوى الأداء البيئي في 180 دولة، إذ يستند إلى 58 مؤشرًا فرعيًا موزعة على 11 فئة، ترتبط بثلاثة أهداف رئيسية هي: الصحة البيئية، وحيوية النظم البيئية، ومواجهة تغيّر المناخ.

وتشمل هذه الفئات جودة الهواء، والمياه، والصرف الصحي، والتنوع البيولوجي، والموائل، والاستدامة.

وبعد جمع النتائج وتحليلها، تُصنَّف الدول من الأنظف إلى الأكثر تلوثًا، بما يتيح تقييم فاعلية السياسات البيئية، ومدى اقتراب كل دولة من تحقيق أهدافها في هذا المجال.

لماذا تعدّ النظافة البيئية مهمة؟

لا تقتصر النظافة البيئية على تحسين المشهد العام أو المظهر الحضري، بل ترتبط مباشرة بجودة الحياة والصحة العامة. فالماء النظيف، والهواء النقي، والإدارة الفعالة للنفايات، وأنظمة الصرف الصحي السليمة، كلها عناصر تسهم في تقليل الأمراض وتحسين صحة الإنسان.

وتُقلّل الدول ذات المؤشرات المرتفعة في جودة الهواء من احتمالات تعرّض سكانها للجسيمات الضارة، مثل الجسيمات الدقيقة (PM2.5)، وهو ما ينعكس على انخفاض معدلات أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.

في المقابل، ترتبط البيئات الأكثر تلوثًا بارتفاع معدلات الأمراض غير المعدية، التي تشكّل نسبة كبيرة من الوفيات عالميًا، ويُعزى جزء منها إلى التلوث السام ومخاطره المزمنة.

الدول العشر الأكثر نظافة في العالم

يمكن أن تكشف هذه القائمة، إلى جانب الفوارق الجغرافية والاقتصادية بين دولها، أن النظافة البيئية لا ترتبط فقط بحجم الدولة أو ثروتها، بل بقدرتها على تحويل الاستدامة إلى سياسة عامة مستمرة.

وفي ما يأتي قائمة الدول العشر الأكثر نظافة في العالم، وفق نتائج مؤشر الأداء البيئي:

1. إستونيا

تتصدر إستونيا قائمة الدول الأكثر نظافة وصداقة للبيئة في العالم، وفقًا لنتائج مؤشر الأداء البيئي لعام 2024. ورغم صغر حجمها وموقعها على بحر البلطيق، فإنها تحقق أداءً يتجاوز وزنها الجغرافي والديموغرافي.

وتسجل إستونيا نتائج مرتفعة في مجالات جودة الهواء، وصحة النظم البيئية، والجهود المبذولة لمواجهة تغيّر المناخ. كما قطعت شوطًا كبيرًا في الطاقة المتجددة، وإدارة الغابات المستدامة، واستخدام الأدوات الرقمية لدعم السياسات البيئية.

من وسائل النقل العام المحايدة كربونيًا إلى المساحات الطبيعية المحمية الواسعة، تقدم البلاد نموذجًا لكيفية الجمع بين التخطيط الذكي والارتباط الوثيق بالطبيعة.

2. لوكسمبورغ

تحلّ لوكسمبورغ في المرتبة الثانية، مؤكدة أن الدول الصغيرة قادرة على تحقيق إنجازات بيئية كبيرة. وتتصدّر العالم في إدارة المياه، بفضل أنظمة معالجة مياه الصرف الصحي المتطورة، والمعايير الصارمة المتوافقة مع قواعد الاتحاد الأوروبي.

كما حققت نتائج عالية في مجال الصرف الصحي ومياه الشرب، إلى جانب أداء لافت في حماية الطبيعة، إذ تخضع أكثر من 55% من أراضيها لإجراءات صون وحماية، ما عزز موقعها في فئة التنوع البيولوجي والموائل.

3. ألمانيا

تحتل ألمانيا المرتبة الثالثة برصيد 74.5 نقطة. ويعود هذا التقدم إلى نجاحها في معالجة كامل مياه الصرف الصحي الحضرية، فضلًا عن حماية مساحات واسعة من أراضيها وبحارها، ما انعكس إيجابًا على أدائها في مجال التنوع البيولوجي والموائل.

بفضل استثماراتها الكبيرة في البنية التحتية الخضراء وسياسات الحفاظ على البيئة، تقدم ألمانيا مثالًا على أن الاستدامة يمكن أن تسير جنبًا إلى جنب مع التقدم الصناعي والاقتصادي.

4. فنلندا

جاءت فنلندا في المرتبة الرابعة، مسجلة 73.8 نقطة، بفضل التزامها الراسخ بجودة البيئة. وقد حققت العلامة الكاملة في مجالات الصرف الصحي، ومياه الشرب، والمعادن الثقيلة، ما يعكس أداءً قويًا في الصحة العامة ومكافحة التلوث.

كما تتميز فنلندا بإدارة فعالة لغاباتها، وبانتشار المساحات الطبيعية المحمية، وهواء نقي يعزز من جودة الحياة فيها. ويضاف إلى ذلك ارتباط ثقافي عميق بالطبيعة جعل الاستدامة جزءًا من الحياة اليومية لا مجرد سياسة عامة.

5. المملكة المتحدة

تحتل المملكة المتحدة المرتبة الخامسة برصيد 72.6 نقطة، وهو ما يعكس تقدمًا واضحًا في ملفيّ الحفاظ على البيئة وخفض الانبعاثات.

وتُعدّ المملكة المتحدة الدولة الوحيدة في المؤشر التي أنشأت مناطق بحرية محمية تغطي أكثر من 30% من أراضيها البحرية، بما في ذلك أقاليمها ما وراء البحار، بمستويات حماية عالية أو كاملة. كما نجحت في خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنحو 30% خلال العقد الماضي.

6. السويد

تُعرف السويد بأنها من أكثر الدول تركيزًا على الاستدامة، بفضل انخفاض انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون واعتمادها الواسع على مصادر الطاقة المتجددة.

وبحسب تقرير 2024، تتفوق السويد في مجالات الصحة البيئية، ولا سيما الصرف الصحي، ومياه الشرب، وجودة الهواء، والمعادن الثقيلة. كما تسجل أداءً جيدًا في حيوية النظام البيئي، خصوصًا في إدارة الغابات المستدامة وخفض التلوث الزراعي.

7. النرويج

تحلّ النرويج في المرتبة السابعة، وقد سجلت العلامة الكاملة في إدارة المعادن الثقيلة، بفضل ضوابطها الصارمة على التلوث الصناعي. كما حققت نتائج مرتفعة في جودة الهواء، في ظل انخفاض التلوث المنزلي ووضوح السماء في كثير من مناطقها.

مع اعتمادها على الكهرباء المتجددة بنسبة تقارب 100%، واحترامها العميق للطبيعة المحيطة بها، تواصل النرويج ترسيخ مكانتها بوصفها نموذجًا للحياة الصحية والمستدامة.

8. النمسا

تحتل النمسا المرتبة الثامنة بين أنظف دول العالم، مستفيدة من لوائح صارمة تتعلق بالمبيدات والأسمدة، ومن معايير أوروبية دقيقة في مكافحة تلوث الهواء وإدارة النفايات.

كما سجلت نتائج مرتفعة في الصرف الصحي ومياه الشرب، في حين تغطي الغابات والمروج الخضراء نحو ثلثي مساحة البلاد، ما يضفي على بيئتها الطبيعية قيمة إضافية.

9. سويسرا

تحلّ سويسرا في المرتبة التاسعة، مع نتائج مرتفعة جدًا في مياه الشرب والصرف الصحي، فضلًا عن أدائها القوي في فئة المعادن الثقيلة، التي تقيس التعرض للمواد السامة مثل الرصاص وآليات ضبطها.

لا تبدو هذه النتائج مفاجئة في بلد يشتهر بنقاء مياهه وثراء طبيعته وتنوعه الحيوي، وهي عناصر عززت موقعه ضمن قائمة الدول الأكثر نظافة على مستوى العالم.

10. الدنمارك

تأتي الدنمارك في المرتبة العاشرة، محافظة على موقعها بين الدول الأكثر مراعاة للبيئة. وقد حققت أداءً متميزًا في مجال الصحة البيئية، ولا سيما في فئة المعادن الثقيلة.

ورغم أنها لم تعد في صدارة المؤشر في ملفات حماية مياه الصرف الصحي أو البيئة البحرية، فإنها لا تزال تواصل التزامها بالاستدامة عبر الابتكارات المحلية، من الفنادق الصديقة للبيئة إلى انتشار مشاريع الأغذية العضوية والطاقة النظيفة. ويشير المؤشر إلى أنها كانت في السابق من الدول الرائدة مناخيًا، لكن وتيرة خفض الانبعاثات فيها تباطأت نسبيًا.

س ع


اضف تعليق